ولسنا بعد ما فهمناه من هذه الأحاديث ، وما عرفناه من حرص الصحابة ، على امتثال ما أمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ، نستطيع أن نقر الأستاذ"جولدزيهر"والأستاذ أحمد أمين على هذا الاتهام الذي وجَّهاه إلى ابن عباس خاصة ، وإلى الصحابة عامة ، من رجوعهم إلى أهل الكتاب فِي كل شيء ، وقبولهم لما نهى الرسول عن أخذه من أهل الكتاب ، وقد ذكرنا كلامهما ورددنا عليه عند الكلام عن ابن عباس ، كما ذكرنا الأثر الذي أخرجه البخارى عن ابن عباس ، وفيه يُشدِّد - رضي الله عنه - النكير على مَن يأخذون من أهل الكتاب ويُصدِّقونهم فِي كل شيء ، فهل يُعقل بعد هذا ، وبعد ما عرفناه من عدالة الصحابة وحرصهم على امتثال أوامر الله ورسوله ، ومراجعة أبى هريرة لكعب الأحبار وعبد الله بن سلام ، أن نعترف بتهاون الصحابة ومخالفتهم لتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم!! اللهم إنَّا لا نقر ذلك ولا نرضاه.
وأما ما ذكره الأستاذ"جولدزيهر": من أن ابن عباس كان يرجع لرجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدى فِي تفسير القرآن ، فعلى فرض صحة ذلك. فإنّا لا نكاد نُصدِّق أن ابن عباس كان يرجع إليه فِي كل شيء ، بل كان يرجع إليه فيسأله عن أشياء لا تعدو دائرة الجواز ، وليس من شك فِي ذلك بعد ما عرفتَ من شدة نكير ابن عباس على مَن كان يرجع لأهل الكتاب ويأخذ عنهم.