وأما ما أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبى شيبة ، والبزار ، من حديث جابر ابن عبد الله:"أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه عليه فغضب فقال:"أمتهوكون فيها يا بن الخطاب ؟والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فَتُكَذِّبوا به ، أو بباطل فَتُصَدِّقوا به ، والذي نفسي بيده ، لو أنَّ موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعنى"فلا يعارض ما قلناه من الجواز ، لأن النهي الوارد هنا كان فِي مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام. والإباحة بعد أن عُرِفت الأحكام واستقرَّت ، وذهب خوف الاختلاط.. قال الحافظ ابن حجر فِي الفتح:"وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية ، والقواعد الدينية خشية الفتنة ، فلما زال المحذور وقع الإذن فِي ذلك ، لما فِي سماع الأخبار التي كانت فِي زمانهم من الاعتبار"."
ويمكن أن ندفع ما يُتوهم من التعارض بما نقله ابن بطال عن المهلب أنه قال:"هذا النهي إنما هو فِي سؤالهم عما لا نص فيه ، لأن شرعنا مكتف بنفسه ، فإذا لم يوجد فيه نص ففى النظر والاستدلال غنىً عن سؤالهم ، ولا يدخل فِي النهي سؤالهم عن الأخبار المصدِّقة لشرعنا ، والأخبار عن الأمم السالفة". ومن هذا كله يتبين لنا: أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث الثلاثة ، كما يتبين لنا المقدار الذي أباحة الشارع من الرواية عن أهل الكتاب.