وأما من قال: إنهم أضافوا بعد البناء؛ لأنهم لو لم يجعلوهما اسمًا واحدًا لم يجز حذف الياء كما لا يجوز حذفها من قولك: يا غلام غلامي؛ لأن الثاني ليس بمنادىً، وإنما المنادى الأول، وكان الأصل {ابْنَ أُمَّ} بالفتح، ثم يا ابن أُمِّي، كما تقول: يا خمسة عشري، فالحذف واقع في المنادى، والحركة حركة بناء، أعني حركة {ابْنَ} ، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
ومن العرب من يقول: يا ابن أُمِّي بإثبات الياء على الأصل، وبه قرأ بعض القراء، وأنشد:
234 -يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسي ... أَنْتَ خَلَّفْتَنِي لدهرٍ شَديدِ
وقرئ أيضًا: (ابن إِمِّ) بكسر الهمزة والميم على الإِتباع.
و (ابن أمَّ) : نداء مضاف، وحذف حرف النداء كما حذف من قوله: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ} .
وقوله: {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ} الجمهور على ضم التاء وكسر الميم ونصب {الْأَعْدَاءَ} به، أي: تسرهم، والشماتة: الفرح ببليَّة الأعداء، وفعله شمِتَ به يشمَتُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر شماتة، وأشممته فلان إشماتًا، إذا عرضه لتلك الحال. والمعنى: فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي، والإِساءة إليَّ.
وقرئ: (فلا تَشْمَت) بفتح التاء والميم ورفع (الأعداءُ) على نهي الأعداء، فالنهي في اللفظ لهم وفي المعنى لموسى - عليه السلام -، كقول العرب: لا أرينَّكَ ها هُنَا، وقد ذكر. والمراد: أَلَّا يحلَّ به ما يشمتون به لأجله، فالتاء على إرادة الجماعة، والياء جائزٌ على إرادة الجمع.
وقرئ أيضًا: (فلا تَشْمَت بي الأعداءَ) بفتح التاء والميم ونصب (الأعداءَ) ، على تقدير فعل، كأنه قال: لا تشمت أنت بي يا ربّ، ولا
تُشمِت بي الأعداء، ويكون تأويل فلا تشمت بي أنت يا رب كتأويل: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، وهذا قول أبي الفتح وتأويله، وفيه ما فيه لمن تأمل.
والوجه عندي - والله تعالى أعلم بكتابه - أن الفعل مسند إلى موسى - عليه السلام -، وناصب (الأعداء) فعل مضمر وفاعله الشماتة، كأنه قال: فلا تشمت أنت بي فتشمت بي الأعداء، أي: فشماتتك تشمت بي الأعداء.