{تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} :
قوله - عز وجل: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ} (تلك) مبتدأ، و {الْقُرَى} خبره، و {نَقُصُّ} حال، كقوله: {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} ، والفائدة ها هنا منوطة بالحال، كما تكون منوطة بالصفة في قولك: هو الرجل الجواد، فلا يحسن السكوت على المبتدأ والخبر دونهما لعدم الفائدة.
ولك أن تجعل {الْقُرَى} صفة لـ {تِلْكَ} ، و {نَقُصُّ} الخبر، وأن تجعل {الْقُرَى} و {نَقُصُّ} خبرًا بعد خبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف في غير موضع بأشبع من هذا.
وقوله: {مِنْ أَنْبَائِهَا} (من) للتبعيض، أي: نقص عليك بعض أنبائها، فإن قلت: قد ذكرت آنفًا أن قوله - عز وجل: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} مستأنف على تقدير: ونحن نطبع، فهل يجوز أن يكون معطوفًا على (أصبنا) بمعنى: وطبعنا، كما قال: (لو نشاء) ومعناه لو شئنا؟ قلت: لا يبعد ذلك، والمعنى يساعده؛ لأنَّ الختم بيد الله جل ذكره، إن شاء ختم على قلوبهم، وإن شاء لم يختم عليها.
{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} :
قوله - عز وجل: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} محلّ {مِنْ عَهْدٍ} نصب، و {مِنْ} لاستغراق الجنس مزيدة في اللفظ دون المعنى.
وقوله: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} إن: مخففة من الثقيلة كالتي في قوله: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ، واسمها محذوف وفيه وجهان:
أحدهما: ضمير الشأن والحديث، أي: وإن الشأن والحديث.
والثاني: ضمير اسم الله جل ذكره، أي: وإنَّا وجدنا أكثرهم فاسقين، أي: خارجين عن الطاعة مارقين منها كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ.
واللام في {لَفَاسِقِينَ} هي الفارقة بين أن المخففة وأن النافية، هذا مذهب صاحب الكتاب - رحمه اللهُ -، ومذهب غيره: أن (إن) بمعنى ما، واللام بمعنى إلَّا، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب.