ولكن نظرة واحدة يجيلها الإنسان فِي التوراة يجد بعدها أنها قد تعرَّضت لكل ذلك وأكثر منه. فأبانت أن الجنة فِي عدن شرقاً ، وأن الشجرة التي نُهيا عنها كانت فِي وسط الجنة ، وأنها شجرة الحياة ، وأنها شجرة معرفة الخير والشر ، وأن الذي خاطب حواء هو الحيَّة ، وذكرت ما انتقم الله به من الحيَّة التي تقمصها إبليس ، بأن جعلها تسعى على بطنها وتأكل التراب ، وانتقم من حواء بتعبها هي ونسلها فِي حبلها... إلى آخر ما ذُكر فيها مما يتعلق بهذه القصة.
ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت فِي الإنجيل ، فمن ذلك قصة عيسى ومريم ، ومعجزات عيسى عليه السلام ، كل ذلك جاء به القرآن فِي أسلوب موجز ، يقتصر على موضع العظة ، ومكان العبرة ، فلم يتعرَّض القرآن لنسب عيسى مفصَّلاً ، ولا لكيفية ولادته ، ولا للمكان الذي وُلِدَ فيه ، ولا لذكر الشخص الذي قُذِفت به مريم ، كما لم يتعرض لنوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء ، ولا لحوادث جزئية من إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياء الموتى..
مع أننا لو نظرنا فِي الإنجيل لوجدناه قد تعرَّض لنسب عيسى ، ولكيفية ولادة مريم له ، ولذكر الشخص الذي قُذِفت به مريم ، ولنوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء ولحوادث جزئية من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى ، ولكثير من مثل هذا التفصيل الموسَّع الذي أعرض عنه القرآن فلم يذكره لنا.
وبعد... فهل يجد المسلمون هذا الإيجاز فِي كتابهم ، ويجدون بجانب ذلك تفصيلاً لهذا الإيجاز فِي كتب الديانات الأخرى ، ثم لا يقتبسون منها بقدر ما يرون أنه شارح لهذا الإيجاز وموضِّح لما فيه من غموض ؟.. هذا ما نريد أن نعرض له فِي هذا البحث ، ليتبين لنا كيف دخلت الإسرائيليات فِي التفسير ، وكيف تطوَّر هذا الدخول ، وإلى أي حد تأثر التفسير بالتعاليم اليهودية والنصرانية.
* مبدأ دخول الإسرائيليات فِي التفسير وتطوره: