قال العلامة القرطبي:"سميت الفاتحة (القرآن العظيم) لتضمنها جميع علومه ، وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله ، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها ، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلاّ بإعانته تعالى ، وعلى الابتهال إليه فِي الهداية إلى الصراط المستقيم ، وكفاية أحوال الناكثين ، وعلى بيان عاقبة الجاحدين ، وهذه جملة المقاصد التي جاء بها القرآن العظيم".
يقول الشهيد الشيخ حسن البنا رحمه الله فِي رسالته القيّمة"مقدمة فِي التفسير"ما نصه:
"لا شك أن من تدبّر الفاتحة الكريمة - وكلّ مؤمن مطالب بتدبرها فِي تلاوته عامة ، وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني ، وجمالها ، وروعة التناسب ، وجلاله ، ما يأخذ بلبه ، ويضيء جوانب قلبه . فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله الموصوف بالرحمة ، التي تظهر آثار رحمته متجدّدة فِي كل شيء ، مستشعراً أنّ أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء . فإذا استشعر هذا المعنى ، ووقر فِي نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله (الرحمن الرحيم) وذكّره الحمد بعظيم نعمه ، وكريم فضله ، وعظيم آلائه البادية فِي تربيته للعوالم جميعاً ، فأجال بصيرته فِي هذا المحيط الذي لا ساحل له ، ثمّ تذكّر من جديد أنّ هذه النعم الجزيلة ، والتربية الجليلة ، ليست عن رغبة ولا رهبة ، ولكنّها عن تفضل ورحمة ، فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم ، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن (الرحمن) ب (العدل) ويذكّر بالحساب بعد الفضل ، فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدينُ عباده ، ويحاسب خلقه يوم الدين"
{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] .