هذا، وينقسم القصر الحقيقي إلى قسمين: حقيقي تحقيقي، وحقيقي ادعائي، فالتحقيقي ما كان المنفي فيه عامًّا يتناول كل ما عدا المقصور عليه من حيث واقع الحال وحقيقة الأمر، كما في الشواهد التي مرت بنا، وكما في قولك: ما أكرمت إلا زيدًا، إذا كان الإكرام لم يقع منك إلا على زيد في واقع الأمر وحقيقته، ومنه قولنا: لا يحج إلى مكة إلا المسلمون، فالواقع يطابق هذا؛ لأن الحج إلى مكة مقصور على المسلمين، ومنفي عن كل من عداهم من أصحاب الملل الأخرى، ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الملك: 1) فصفة الملك مختصة بالله تعالى في الحقيقة والواقع، ومنفية عن كل ما عداه، ومنه كذلك قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) فالعبادة وطلب العون مختصان بالله ومنفيان عن كل ما عداه في واقع الأمر وحقيقته، ومنه قوله عز وجل: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: 135) ، فغفران الذنوب مختص بالله تعالى منفي عما عداه في الواقع والحقيقة.
ونلاحظ أن المقصور في جل الشواهد المذكورة صفة، والمقصور عليه موصوف، فالقصر الحقيقي التحقيقي يقع كثيرًا في الكلام إذا كان المقصور صفة ويقل في قصر الموصوف على الصفة لماذا؟ لأن الغالب في الموصوف أن يتصف بعدة صفات، ولا يوقف على صفة واحدة، أما الصفة فيجوز وقفها على موصوف واحد وحصرها فيه، وقد غالى بعض البلاغيين فقالوا: إن قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيّا تحقيقيًّا لا يتأتى؛ لأنه ما من موصوف إلا وله صفات كثيرة، تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر، فإذا قلنا: ما زهير إلا شاعر، وما زياد إلا كاتب، لا يتأتى أن يكون زهير مقصورًا على صفة الشعر لا يتجاوزها إلى غيرها، ولا أن يكون زياد موقوفًا على الكتابة لا يتعداها إلى غيرها، كيف وهما يأكلان ويتكلمان ويمشيان ويتصفان بالحياة وبالبياض أو السواد وبالقصر أو الطول وبالذكاء أو الغباء، إلى آخر ما يمكن أن يتصف به حي.