بل إن البعض خرج بالمسألة عن نطاق الدراسة البلاغية فقالوا: إن الصفة المنفية لها نقيض البتة، وهذا النقيض من الصفات، فإذا نفيت جميع الصفات لزم ارتفاع النقيضين، واحتدم النقاش واشتد الأخذ والرد، ودخلت المسألة في مماحكات كلامية ينبغي أن ينزه عنها الدرس البلاغي؛ لأنها من الشوائب التي تعكر صفوه وتكدر عذْبه، ولو تنبه هؤلاء إلى قول عبد القاهر في (الدلائل) :"واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخِّر نحو: ما زيد إلا قائم، أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، فإنما نعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام والتي هي منه بسبب، نحو أن يكون جالسًا أو مضطجعًا أو متكئا أو ما شاكل ذلك، ولم تُرِد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل؛ إذ لسنا ننفي عنه بقولنا: ما هو إلا قائم، أن يكون أسود أو أبيض أو طويلًا أو قصيرًا أو عالمًا أو جاهلًا، كما أنا إذا قلنا: ما قائم إلا زيد، لم تُرِد أنه ليس في الدنيا قائمٌ سواه، وإنما تعني ما قائم حيث نحن وبحضرتنا وما أشبه ذلك". انتهى من (الدلائل) .
أقول: لو تنبهنا وتنبه البلاغيون إلى هذا القول، ما خرجوا بالمسألة عن نطاق الدرس البلاغي، وما خاضوا بها الخوض الذي خاضوه. وخلاصة القول: أن المنفي عنه في القصر الحقيقي التحقيقي ما هو بسبيل من المقصور عليه، وواقع في دائرته ويتبادر إلى الذهن عند سماع أسلوب القصر، فإذا قلت: ما شاعر إلا زيد، فإنك لا تعني نفي الشاعرية عن كل من ولدته حواء في كل العصور وكل الأمم، إنما تعني نفي الشاعرية في حدود ما يشير السياق والقرائن، كذا ذكره أبو موسى في (دلالات التراكيب) .