وذكر الآلوسي: التفريط: التقصير وأصله أن يتعدى بـ (في) وقد ضمن هنا معنى (أغفلنا وتركنا) ، ف (من شيء) في موضع المفعول به و (من) زائدة للاستغراق ويبعد جعلها تبعيضية. وحكى القرطبي: ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلا وإمَّا تأصيلا قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) .
أقول: حين تعدى فرَّط بـ (مِنْ) جمع مع نفي التفريط الذي هو التقصير معنى السلامة من التضييع والخلوص من الإغفال والبرء من التقصير وهذه جميعاً تتعدى بـ (مِنْ) . وحين نفى تعالى عن كتابه هذه المعاني، فقد أثبت ما يقابلها من استيعاب كتابه لكل أمر من الدين بالضرورة (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ليكون الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية.
إذاً ما فرطنا في الكتاب من شيء معناه: سلمنا الكتاب من كل تفريط.
وبرأناه من كل تقصير. وأخلصناه من كل تضييع.
وباب التضمين لا يُفثج. ثم ما قيمة الخارقة المادية التي يطلبونها أمام الخارقة التي يرونها مع امتداد أبصارهم في دواب الأرض وطيور السماء.
إن منهج القرآن يربط الفطرة بهذا الوجود ليفتح نوافذها، ويدع للكون أن يفعل فعله في الكائن البشري فيتلقى ويستجيب (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) .
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)
ما تدعون إليه: ما تدعون إلى كشفه ذكره الزمخشري، وقال أبو حيان: دعا يتعدى إلى مفعول به دون حرت جر. قَالَ تَعَالَى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقال: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) ولا تقول: دعوت إلى اللَّه بمعنى دعوت اللَّه إلا بدعوى تضمين، ضمن يدعون معنى يلجؤون، كأنه قيل: فيكشف ما يلجؤون فيه بالدعاء إلى الله.