أقول: حين تعدى الفعل (كتب) بغير حرفه، تكون هذه الحروف مفاتيح أقفالها، لا تُدافع أبوابها إلا بمقدار ما تُدفع. فلفظ الفعل مرتبط بعلم صاحب القلم حين كتب. موصول بصفاته حين سطَّر على نفسه، وخطَّه في كتابه فوق العرش:"رحمتي سبقت غضبي"وفي رواية:"غلبتْ"كما روى الشيخان.
فمدلول اللفظ مرتبط بمراد صاحبه - ولا نهاية للإحاطة بمراده سبحانه - بل هو مفتاح كنوزه، ومن هنا لا أجنح إلى تقييده عند تضمينه لئلا أحدّه بحدود، أو أضع في يديه القيود، ليبقى مصدر إشعاع يسدّ حاجة كل ذي حاجة من المفسرين. وإنما أُشارفه على طَرَفِ من الُملامحة فأقول: كتبها بإرادته وأنفذها بمشيئته، وقضاها على نفسه لا يوجبها عليه موجب، ولم يقترحها عليه مُقترح، وإنما إرادته الطليقة وربوبيته السمحاء، تفضل البارئ أنْ جعل رحمته مكتوبة عليه، خطها هو على نفسه، وجعلها عهدا منه لعباده، بمحض إرادته ومطلق مشيئته، رحمة تملأ القلب بالرجاء، بالأمل، بالدهش، بالعجب، بالراحة والسرور.
حوت الجمال فلو ذهبت تزيدها ... في الرسم حُسناً ما استطعت مزيداً
ثم تفضل عليهم أُخرى أن أبلغهم ما كتب. فمَنْ هم حتى تَبْلغ العناية بهم أن يُبلِّغهم ما جرت به إرادته وخطَّه قلمه في الملأ الأعلى! إنه منتهى التكريم لآدم وذريته.
هذا البلاغ ياع القلب البشري في دَهَش، بل في أُنْس أنيس في رَوْح ورَيْحان، في كنف مطمئن ودود لطيف، يُتْرع القلبَ بحلاوة مذاقاته.
إنه التضمين، وإنه كثوب الحسناء على الحسناء فيه أسرار من معاني مرتديه.
(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)
قال أبو حيان: والتفريط والتقصير حقه أن يتعدى بـ (في) (مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وإذا كان كذلك فيكون قد ضمن ما أغفلنا وما تركنا ويكون (من شيء) في موضع المفعول به و (مِنْ) زائدة والمعنى ما أغفلنا وما تركنا في الكتاب شيئاً يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف. ويَبْعد جَعل (مِنْ) هنا تبعيضية وإن قاله بعضهم. اهـ.
وذكر الجمل: يقال: فرَّط الشيء وضيقه وتركه، وفرط في الشيء لا من الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه.