أقول: يواجه السياق في هذه الآيات الفطرة حين تواجه الهول فيهزها ويوقظها - فتتعرى من كل رُكام، وتتجه في قرارتها إلى بارئها وحده تسأله النجاة (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) بحرف الإضراب، بل وبتقديم إياه لإفادة الحصر والقصر إنه جواب الفطرة وإن لم ينطق بها اللسان نسيت ما اذعته من الآلهة المزيفة (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) إنه
موقف الفطرة عند رؤية العذاب، إن معرفة الفطرة بربها هو حقيقتها التي فطرها بارئها عليها، وألوان الشرك طارئ عليها، بل وركام يَرين عليها، فإذا واجهت الهول الهائل تساقطت عنها القشور وتمزقت ثياب الزور. وقد تزول بصيحة حق تزلزلها، ولن يخلو كل عصر من مجدد يطلق هذه الصيحة على مر العصور.
أفصحت الفاء عن الحقيقة وأن الكاشف هو اللَّه الذي تتوسلون إليه وتطلبون، فيكشف بعضه أو جميعه (إن شاء) وَفْق حكمته وتقديره، أو لم يستجب حسب علمه وتدبيره. فتضمن الدعاء معنى الضراعة والوسيلة.
ولقد جاء الحرف (إلى) مع فعل (تدعون) وهو لا يألفه ولا يتعدى به عناية بما وراءه وتلويحا بغرضه، والإيماء دون التصريح أحلى وأدمث من أن يكون مكاشفة ومصارحة وجهرا. وقل ما يجيء التضمين صريحا وإنما يجيء من طريقٍ يخفى ومسلك يدق.
وإذا كان ما تسالونه من حاجاتٍ وترفعون من مطالبَ هو جانب من جوانب الدعاء وطرف منه، فالجوانب الأخرى أهم وأقمن: كالرجاء والتوسل والتضرع والخضوع والتذلل. فصِلة الدعاء بالضراعة (تضرعون إليه) جزء من كل، عدل الحكيم سبحانه من لفظٍ إلى لفظ لنتنته على أسبابه، ويتجلى لنا وجه الحكمة في اختياره فيتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد.
إنه التضمين .. من أي عطفيه التفت، وجد معاني مشرقة لا تغيب ..
ثم إن دعا يتعدي بالياء: [ (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ) ] فيتضمن معنى: استحضر.
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ...(44)
حكى العز: أي فلما تركوا ما أمروا به ... التجوّز بالتذكير عن الأمر.