{ذلك أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ} [المائدة: 108] ؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى {أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 108] ؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: {وَاتَّقُو اللَّهَ} [المائدة: 108] ، أي: اتقوا بالله عما سواه {وَاسْمَعُواْ} [المائدة: 108] ، وأطيعوا أحكام الأزل {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي} [المائدة: 108] ، إلى حضرته اليوم {الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108] ؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم:"أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل".
ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109] .
إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [المائدة: 109] ، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله فقالوا: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] ؛ أي: إنك تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.