{وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ} [الجمعة: 6] ، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} [المائدة: 18] ، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلاً لاستكمال تعذيبهم آجلاً بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18] ؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ، وكان من الله ما قال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] ، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [المائدة: 18] ، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 18] ، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى {وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 18] ، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواماً مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواماً مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار،