وقد جرى الخلاف فيما وراء ذلك، وكان أساس الخلاف هو أن النص معلل واختلفوا في تعليله، ففريق قال: ليست ثمة علة إلا الأذى، وعلى ذلك يكون محرما صيد ما عدا هؤلاء، إلا إذ كان مؤذيا بالفعل فيحرم الوحش إلا إذا كان قد ساور المحرم، وقال بعض الفقهاء: إن كل حيوان لَا يؤكل ومن شأنه مساورة الإنسان لإيذائه كالنمر والأسد وغيرهما يباح صيده، واختلفت الروايات والأقوال في المذاهب فقيل: لَا يباح صيد أي حيوان إلا ما جاء النص بإباحته، وما يساور الإنسان فعلا ليؤذيه، وقيل: يباح ما من شأنه المساورة، وقيل: إنه يباح صيد كل ما لَا يؤكل، وهو قول الشافعي، وإنا نميل إلى هذا القول؛ لأن التحريم معلل، وليس تعبديا خالصا، والحكمة واضحة، وهي منع التضييق على أهل الحرمين الشريفين، ولأن الصيد في غالب أحواله لَا يتجه إلا إلى ما يؤكل فيندر من يصطاد ثعلبا أو ضبعا، ولأن القياس يثبت على الغراب والحدأة فهي حيوان لا يؤكل، وهذا هو الذي نراه معقولا، وهل يباح لحم ما يصطاد للمحرم إذا اصطاده غير محرم؟ لقد اختلف الفقهاء في ذلك، وأساس الاختلاف، الاختلاف في ذات الممنوع، أهو الأكل أم الصيد؟.
قال كثيرون من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس: إنه يحرم على كل حال؛ لأن الصيد ذريعة إلى الأكل، وليس تحريم الصيد لذاته، ولكن لكيلا يكون أهل مكة في ضيق.
وقال آخرون: يحل ما دام لم يتول الاصطياد، وقد قال ذلك علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وجمع من الفقهاء.
القول الثالث: أنه إذا صيد لأجل المحرم كضيافته ونحوه فإنه يحرم، لا يكون كاصطياده.
والقول الرابع: أنه إذا لم يعاون المحرم في الصيد، ولو بالإشارة فهو حلال.
وهذا الذي نميل إليه؛ لأنه إذا كان قد عاون في الاصطياد، ولو بالرأي فقد اصطاد، وإذا لم يكن شيء من ذلك، فهو حلال، وإلا امتنعت الضيافات، وكان الناس في حرج وضيق السبيل إلى تبادل المودة، وهي مطلوبة في الإسلام.