إذن فالدين جاء من الله ليتدخل في الأمور التي تختلف فيها الأهواء ، فحسم الله النزاع بين الأهواء بأن انفرد سبحانه أن يشرع لنا تشريعا تلتقي فيه أهواؤنا ، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
أي أن تتحد الأهواء تحت مظلة تشريع واحد ؛ لأن كل إنسان إن انفرد بهواه ، لا بد أن نصطدم ، ولا نزال نكرر ونقول: إن خلافات البشر سواء أكانت على مستوى الأسرة أم الجماعة أم الأمة أم العالم ، جاءت من اختلاف الأهواء ، ولكن الأشياء التي لا دخل للأهواء فيها فالعالم متفق فيها تماما ، بدليل أننا قلنا: إن المعسكر الشرقي السابق والمعسكر الغربي الحالي اختلفا بسياستين نظريتين ، هذا يقول:"شيوعية"؛ وهذا يقول:"رأس مالية".
إنه لا يوجد معمل مادي كي ندخل فيه الشيوعية أو الرأسمالية ونرى ما ينفعنا . أنَّها أهواء ، لذلك تصادما في أكثر من موقع ، وانهزمت الشيوعية وبقيت آثارها تدل عليها . لكن الأمور المادية المعملية . لم يختلفوا فيها . ونقول الكلمة المشهورة:"لا توجد كهرباء روسي ولا كهرباء أمريكاني"."ولا توجد كيمياء روسي ولا كيمياء أمريكاني"؛ فكل الأمور الخاضعة للتجربة والمعمل فيها اتفاق ، والخلاف فقط فيما تختلف وتصطدم فيه الأهواء .
فكأن الله ترك لنا ما في الأرض لنتفاعل معه بعقولنا المخلوقة له ، وطاقاتنا وجوارحنا المخلوقة له ، ويوضح: إن التجرية المعملية المادية لن تفرقكم بل ستجتمعون عليها . وسيحاول كل فريق منكم أن يأخذ ما انتهى إليه الفريق الآخر من التجارب المادية ولو تلصصها ، ولو سرقها ، أما الذي يضركم ويضر مجتمعكم فهو الاختلاف في الأهواء . وليت الأمر اقتصر على الاتفاق في الماديات والاختلاف في الأهواء ، لا ، بل جعلوا مما اتفقوا عليه من التجارب المادية والاختراعات والابتكارات وسيلة قهرية لفرض النظرية التي خضعت لأهوائهم .