هذا الجزءُ من الآية يتصل بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إِلى قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) وقد توسط قوله تعالى: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) إِلى هنا؛ لتأْكيد التحريم لما تقدم ذكره، لأَن تحريمَ هذه الخبائث، من جملة الدين الكامل. أَي: ما ذُكِر من المحرماتِ السابقة - محظورٌ تناول أَي شيءٍ منه في حالة الاختيار، ولكن قد يقع الِإنسان في الأَضرار بأَن تصيبَه مخمصة - أَي مجاعة - فتضطرَّهُ إِلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، إِنقاذًا لحياته، لأَنه لا يجد غيرَها أَمامه. فكان من رحمة الله بعباده أَن رَفَعَ الحرج عن المضطر، إِذا تناول شيئًا من هذه المحرمات، بشرط أَن يكون غير متجانف لإِثم: أَي غير مائل إِلى الإِثم. وذلك بتجاوزه حد الضرورة. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) :
أَي لا يؤَاخِذ الله من يُضْطَرُّ إِلى ذلك. وهذا من مظاهر رحمته سبحانه.
وقد قررت الآية مبدأَين من مباديء التشريع، بني عليهما كثير من فروع الشريعة؛ أَولهما: أَن الضرورات تبيح المحظورات.
ثانيهما: أَن الضرورة تقدر بقدرها .. وهذا من يُسْرِ الإِسلام وسماحته قال تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) .
المفردات:
(الطَّيِّبَاتُ) : ما طاب من الأَطعمة وحَلَّ.