وَإِنْ قُلْتُمْ: سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هُوَ ظُهُورُهُ فِي نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أَمَّا الظُّهُورُ الْمُمْكِنُ الْمَعْقُولُ وَهُوَ ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَكَلَامِهِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَنَاسُوتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا الظُّهُورُ الْمُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْبَاهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ وَالشَّرَائِعُ وَجَمِيعُ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ ظُهُورُ ذَاتِ الرَّبِّ فِي نَاسُوتِ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَامْتِزَاجِهِ وَاخْتِلَاطِهِ فَهَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أَصْلًا، بَلِ النُّبُوَّاتُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا كُفْؤَ وَلَا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَا زَوْجَةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ فَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّدَمِ وَالْخَوْفِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذَاتِهِ، وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ عَنْهُ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَغَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ.