ولا هو من خصاله؛ أي: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد، التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار مع القدرة على الهجرة، فلكم مالهم، وقال ابن عباس: أي: ألم تكن المدينة آمنة فتهاجروا إليها، {فَأُولَئِكَ} المتوفون الذين تقول الملائكة لهم ما ذكر {مَأوَاهُمْ} ومنزلهم في الآخرة {جَهَنَّمُ} كما أن مأواهم في الدنيا دار الكفر، لتركهم الفريضة؛ أي: إن أولئك الذين فصلت حالهم الفظيعة نسكنهم في الآخرة جهنم؛ لتركهم ما كان مفروضًا عليهم، إذ كانت الهجرة واجبة في صدر الإِسلام، فـ {مَأوَاهُمْ} : مبتدأ، و {جَهَنَّمُ} : خبره، والجملة خبر لـ {أولَئِكَ} ، وهذه الجملة خبر إن، وقوله: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} حال من الملائكة على تقدير قد، كما أشرنا إليه آنفًا، أو هو الخبر، والعائد منه محذوف؛ أي: قالوا لهم: {وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ؛ أي: وقبحت جهنم مصيرًا لهم؛ لأن كل ما فيها يسوؤهم.
وفي هذا إيماء إلى الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب، لبعض الأسباب، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى، وأدوم على العبادة. وجبت عليه الهجرة، أما المقيم في دار الكفر ولا يمنع ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه، وأقام أحكامه بلا نكير، فلا يجب عليه أن يهاجر، كما هو مشاهد من المسلمين المقيمين في بلاد الإنكليز الآن، كما أن الإقامة فيها ربما كانت سببًا من أسباب ظهور محاسن الإِسلام وإقبال الناس عليه.