96 -ثم فسر ذلك الأجر العظيم فقال: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} سبحانه وتعالى، وانتصاب أجرًا عظيمًا بنزع الخافض، أو على التمييز، ودرجات بدل منه، بدل كل من كل، {وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} معطوفان على درجات؛ أي: وفضل الله سبحانه وتعالى المجاهدين في سبيل الله تعالى على القاعدين بلا عذر بأجر عظيم، وثواب وافر، بدرجات منه وبمغفرة ورحمة منه تعالى؛ أي: فضلهم عليهم بدرجات ومنازل بعضها فوق بعض، من منازل الكرامة، وبمغفرة للذنوب، وبرحمة لهم بنعيم الجنة. والمراد بهذه الدرجات هي ما ادخره الله تعالى لعباده من المنازل الرفيعة التي يقصر الحصر عن عدها، كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } ودرجات الآخرة مبنية على درجات الدنيا، من قوة الإيمان بالله تعالى، وإيثار رضاه على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على الشهوات الخاصة، والمغفرة المقرونة بهذه الدرجات هي المغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا تكفرها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون، والرحمة هي ما يخصهم به الرحمن زيادة على ذلك من فضله وإحسانه، وأخرج البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: أو لا نبشر الناس بقولك، فقال:"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله .. فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
فَإِنْ قُلْتَ: قد ذكر الله عز وجل في الآية الأولى درجة واحدة، وذكر في هذه الآية درجات، فما وجه الحكمة في ذلك؟