كما رُوي في التفسير: أنه لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، جاء قوم من أولي الضرر، وقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: حالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة؟، فنزل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] واستثنوا من جملة القاعدين.
وقال الفراء: الوجه فيه الاستثناء والنصب، إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي له أن يكون بعد التمام، فيقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانًا وفلانًا.
وقال بعض النحويين من المتأخرين: الاختيار الرفع، لأن الصفة أغلب على (غير) من الاستثناء، وليس قول من ذهب إلى اختيار النصب بسبب نزوله للاستثناء بشيء ، لأن غيرًا وإن كانت صفةً فهي تدل على معنى الاستثناء، لأنها في كلا الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر، ففي الوجهين جميعًا الرفع والنصب إنما وقع التفضيل بين القاعدين الأصحاء والمجاهدين.
قال الزجاج: ويجوز أن تكون (غير) منصوبة على الحال، المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحًا.
ونحو ذلك قال الفراء، قال: وهو كقوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} [المائدة: 1] .
هذا هو الكلام في وجه القراءتين.
فأما حكم الزَّمنى ففرض الجهاد موضوع عنهم، كما ذكر الله في سورة الفتح، وهو قوله: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} الآية [الفتح: 17] .
وقوله تعالى: {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء:95] ، عطف على قوله: {الْقَاعِدُونَ} ، لأن ( المؤمنون)