ومعنى النص الكريم: يا أيها الذين أذعنوا للحق وصدقوا به، وخرجوا مجاهدين في سبيل الله، إذا سرتم في جهادكم، فتعرقوا من يحاربكم ومن يعاديكم، ولا تضعوا السيف في موضع البرء والسقم، في المقاتل وغير المقاتل، في المحارب وغير المحارب، ولا تتعجلوا بالقتل عند الشك في أن من تقتلونه عدو أو ولي، أو عند احتمال ألا يكون عدوا؛ فإن الأصل في الدماء التحريم، وكل شك يمنع القتل؛ إذ القتل إنما هو لدفع الاعتداء، فلا يقتل إنسان إلا عند تأكد الاعتداء منه، أو نيته عنده، ومن لم يتثبت، فقد خالف أمر الله واعتدى.
وروى في سبب نزول هذه الآية روايات مختلفة، كلها يتلاقى عند معنى واحد، وهو أن المجاهدين الأطهار قتلوا رجلا نطق بالشهادتين:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، بعد أن استمكن المسلمون من رقبته، أو قال للمجاهدين: السلام عليكم، فقتلوه، وقد جاء في (أحكام القرآن) للقرطبي: في سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين إلى المشركين بعثا، فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم، فحمل رجل على رجل من المشركين، فلما غشيه قال: أشهد أن لَا إله إلا الله، إني مسلم، فطعنه فقتله،
فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، هلكت! قال:"وما الذي صنعت، مرة أو مرتين"؛ فأخبره بالذي صنع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فهلا شققت عن بطنه، فعلمت ما في قلبه. . . فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه"!.
ويروى مثل، ذلك بالنسبة لأسامة بن زيد، فقد قتل رجلا نطق بالشهادتين، فلامه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أسامة: لقد قالها تحت حرِّ السيف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"هلَّا شققت عن قلبه"!.
ولعل وقائع قد وقعت من هذا الصنف، والقتال شديد، وقد حمي الوطيس، فجاء الأمر الكريم بالتثبت.
وليس النطق بالشهادتين فقط هو الذي يحقق الدم، بل إعلان السَّلام وحده كاف لمنع القتل، ولذا قال سبحانه: