(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُذورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكئم أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هذا فريق آخر ممن يعلنون الإسلام في وسط أقوامهم أو لايعلنونه ولا يقاتلون مع المؤمنين، وهؤلاء ينتمون إلى قوم يقاتلون المؤمنين، وهم في حال حرب، فهؤلاء يعلنون إسلامهم ويجيئون إلى المسلمين معلنين الإسلام، ولكنهم يكونون في ضيق وحرج، فلا يستطيعون قتال أقوامهم، خشية على ذرياتهم أو ذوي أرحامهم أو أموالهم، ويريدون أن يتذرّعوا بالامتناع عن قتال قومهم، فإنه يقبل منهم الاعتزال. ومعنى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) ضاقت. وقد قال الراغب: (الحصر التضييق. قال الله عز وجل:(فخذوهُم واحصروهُم) أي ضيقوا عليهم، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) ، وقوله تعالى: (أَوْ جَاءُوكُمْ حصِرَتْ صُدُورُهُمْ) أي ضاقت).
ويظهر أن مادة (حصر) تكون من باب نصر ومن باب فرح، وإذا كانت من باب نصر تكون دالة على التضييق على الغير تضييقا حسيا، وإن كانت من باب فرح تكون لازمة ودالة على ضيق النفس. والمعنى على هذا أن هؤلاء ضاقت نفوسهم، وصاروا في حرج لَا يستطيعون قتال المسلمين، ولا يستطيعون قتال أقوامهم، فهؤلاء مسالمون، لأن الله كفى المؤمنين أمرهم، ولأنهم لَا يعدون منافقين، ولقد حرض الله سبحانه المؤمنين على مسالمتهم رغبة في السلام، فقال سبحانه:
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي أنه من رحمة الله بكم أن قلل أعداءكم، وأضعف شأن الذين يقاتلونكم، بأن يخرج من بين صفوفهم من يسالمونكم، وإن الله ناصركم في هذا بأمرين: بتقوية جمعكم، وإضعاف شأن عدوكم، ولو شاء سبحانه أن يكونوا جميعا عليكم ولا يخرج منهم من يسالمكم، وجعل أولئك الذين يمدون يد السلام مسلطين عليكم بالقتل والقتال، لكان ذلك، وليس في مصلحتكم، فاختاروا ما أمركم الله به، وهو مسالمة أولئك الذين يسالمونكم، وقد خرجوا من بين أقوامهم.
ولقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله تعالى: