وإذ كان الأمر بالقتل والقتال هنا بمثل هذا الوضوح سواء في حق الكافرين أو المنافقين، وإذ كان أمر المنافقين ووضعهم دقيقا،
فقد بدأ السياق يحذر بشدة من قتل المؤمنين، ويذكر كفارة القتل الخطأ إن حدث. وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً. أي: ليس المؤمن كالكافر الذي تقدمت إباحة دمه، فلا يصح للمؤمن ولا يليق بحاله، ولا يستقيم أن يقتل مؤمنا إلا على وجه الخطأ. والمعنى: من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما، أو يرمي شخصا على أنه كافر، فإذا هو مسلم. وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة؛ والحكمة في ذلك أنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما. أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ.
الواجب الثاني هو الدية لأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم؛ ومعنى التحرير: الإعتاق، والمراد بالرقبة هنا النسمة المسترقة. ومعنى قوله تعالى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي: ودية مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث. قال النسفي:
لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، فيقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال وقد ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم. إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا. أي: إن هذه الدية واجبة لورثة القتيل إلا أن يتصدقوا بالدية، فالدية واجبة في كل حال، إلا في حال التصدق بها من الورثة.