فَإِنْ تَوَلَّوْا. أي: فإن أعرضوا عن الإيمان. وقال ابن عباس: أي: تركوا الهجرة. وقال السدي: أي: أظهروا كفرهم. والمعاني الثلاثة، متكاملة في محلها. في النص والسياق، فالمنافق هو الموالي لأهل الكفر في دارهم، أو في دارنا، المعرض عن إعطاء الولاء لله ورسوله والمؤمنين. فهذا جزاؤه القتل. فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. فههنا أمر، ونهي، في حق هؤلاء المنافقين، أمر بقتلهم حيثما وجدوا، ونهي عن اتخاذهم أولياء، ونصراء. فليفهم هذا الحكم من لم يفهم حتى الآن، أن من أعطى ولاءه للكافرين، والمنافقين، جزاؤه القتل، والإعراض، والرفض. أما أن يتخذ وليا، ونصيرا، وصديقا، وبطانة، ومستودع سر، وأحيانا قائدا فكيف يكون ذلك إلا من جاهل أحمق، أخرق، أو منافق ضال خداع. وإذن فحكم المنافقين في الأصل في وجوب قتلهم حيث كانوا، كحكم المشركين في وجوب قتلهم حيث كانوا ورفض ولايتهم ونصرتهم؛ لأنها كاذبة خادعة، لا تنبع عن صدق وإيمان. وإنما قلنا بوجوب قتل المنافقين في الأصل من حيث إنه كافر مرتد فيجب قتله ولكن لأن المنافق في دار الإسلام له وضعه الخاص فلا يقتل إلا إذا أظهر نفاقه أو أمر الإمام بقتله ببينة. ويحتمل قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. أي: لا تعطوهم نصرتكم، ولا تقبلوا منهم نصرة. وبهذه الآية والتي
قبلها، بين الله - عزّ وجل - الحكم الأصلي في المنافقين، وهو القتل، وعدم إعطائهم النصرة، وعدم قبولها منهم حتى يكونوا مؤمنين حقا، علما وعملا. وبعد أن ذكر الله -
عزّ وجل - الحكم الأصلي في المنافقين، ذكر صورا تدخل تحت هذا الحكم.
وصورا مستثناة من هذا الحكم. فذكر من يستثنى من هذا الحكم في الآية اللاحقة وذكر من يدخل تحت هذا الحكم في الآية التي تليها.