بطريقين إما بمخبر عنه غير مطابق وإما بعدم المخبر عنه بالكلية كما تقدم تقريره فلا جرم أمكننا أن نجعل الخبر الواحد كذبا ولم يمكنا أن نجعله صدقا فتأمل هذا الفرق ولاحظ فيه أن الكذب أعم والأعم قد يوجد حيث لا يوجد الأخص وأما الإمام فخر الدين وغيره فقد سوى بين البابين وقصر الكذب في عدم المطابقة على أحد قسميه وقال إذا قال أنا كاذب في الخبر الأخير هو كاذب لتأخر الخبر عن المخبر عنه بالرتبة وتأخر الشيء عن نفسه محال لكن الكذب أعم مما ادعاه كما تقدم بيانه فلا يلزم ما قاله
المسألة الثانية وعد الله تعالى ووعيده وقع لابن نباتة في خطبة الحمد لله الذي إذا وعد وفى وإذا أوعد تجاوز وعفا وحسن ذلك عنده ما جرت العوائد به من التمدح بالوفاء في الوعد والعفو في الوعيد
قال الشاعر وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تمدح بهما وقد أنكر العلماء على ابن نباتة ذلك وتقرير الإنكار أن كلامه هذا يشعر بثبوت الفرق بين وعد الله تعالى ووعيده
والفرق بينهما محال عقلا لأنه إن أريد بالوعد والوعيد صورة اللفظ وما دل عليه بوضعه اللغوي من العموم فإنهما سواء في جواز دخول التخصيص فيهما فكما دخل التخصيص في قوله تعالى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره بمن عفي عنه تفضلا أو بالتوبة أو غير ذلك فلم ير شرا مع عمله له فكذلك دخل التخصيص في قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره بمن حبط عمله بردته وسوء خاتمته أو أخذت أعماله في الظلامات بالقصاص وغيره فلم ير خيرا مع أنه عمله وكذلك جميع إخبارات الوعيد والوعد يخرج منها من لم يرد باللفظ ويبقى المراد فلا فرق بينهما من هذا الوجه وإن أريد بالوعد والوعيد من أريد بالخطاب ومن قصد بالإخبار عنه بالنعيم أو العقاب فيستحيل أن من أراده الله تعالى بالخبر أن لا يقع مخبره
وإلا لحصل الخلف المستحيل عقلا على الله تعالى بل يجب حصول النعيم لمن أراده الله تعالى بالإخبار عن نعيمه وحصول العقاب لمن أراده الله تعالى بالإخبار عن عقابه لئلا يلزم الخلف فحينئذ لا فرق بينهما أيضا فإن قلت إن أريد بالوعيد صورة العموم وهو قابل للتخصيص وبالوعد من أريد بالخطاب فإنه يتعين فيه الوفاء بذلك الموعود يندفع المحال وتصح هذه العبارة قلت هذا يمكن غير أنه يوهم أن الله تعالى يعفو عمن أريد بالوعيد ولا يقتصر المفهوم على التخصيص فقط كما جرت به العادة من التمدح بالعفو وإن أكذب أحدنا نفسه كما قال
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق