مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة ويمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم وإذا كانت الموجودات في هذا العالم إما حرام لصفته أو مباح لصفته انبنى على هذا قاعدة أخرى وهو أن كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه وما يباح لصفته لا يحرم إلا بسببه فالقسم الأول كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة فلا تباح إلا بسببها وهو الاضطرار ونحوه من الأسباب وكذلك الخمر حرم لصفته وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه وهو الغصة والقسم الثاني كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المأكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا تحرم إلا بسببها وهو الغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها فهذه القاعدة في هذا الفرق مطردة في جميع المتناولات
الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير اعلم أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة تحصل من تناوله وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان المتغذي به حتى يقال إن العرب لما أكلت من لحوم الإبل حصل عندها فرط الإيثار بأقواتها لأن ذلك شأن الإبل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تناسب التحريم فيحرم كالسموم تحرم لعظم مفسدتها والكراهة فيكره كسباع الطير أو الضبع من الوحش على الخلاف في ذلك وقسم يباح لصفته إما لاشتماله على المصلحة كالبر واللحم الطيب من الأنعام وإما لعدم مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة نعم يمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم فالموجودات في هذا العالم إما حرام لصفته أو مباح لصفته والقاعدة المذكورة في الفرق انبنت على هذا والله أعلم
الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير من حيث إن الفقهاء جزموا جميعا بتحريم أكل سباع الوحش وترددوا في تحريم أكل سباع الطير فمنهم من قال بالتحريم ومنهم من قال بالكراهة وسر الفرق هو أن فرط الظلم وقلة الرحمة متوفر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير إذ هو في الأسد أعظم منه في العقاب والصقر وفي النمر والفهد أعظم منه في الضبع والنسر وغيرهما من الحدآت والغربان ونحوها فلما عظمت المفسدة والظلم في سباع الوحش بحيث إنها تثب على الحيوانات وثبا شديدا فتأكلها وتهلكها وتفسد أبنيتها بتمزيق أعضائها ولا تكترث بهلاكها ولا فساد أبنيتها ولا ما تجده من الألم في تمزيق أعضائها من غير توقف في ذلك على الحاجة بل شأنها ذلك لحاجة ولغير حاجة وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل خلق الحيوانات المأكولة لخلق الحيوان المتغذي به حتى يقال إن أربعا أكلت أربعا فأفادتها أربعا أكلت السودان