الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة كلها قائمة بذات الله تعالى عند أهل الحق والكتاب والسنة وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي أدلة على ما قام بذات الله تعالى من ذلك وكذلك الواحد منا إذا قال لغلامه اسرج الدابة فقد أنشأ في نفسه إيجابا وطلبا للإسراج قبل الدلالة عليه بلفظه وكذلك النهي وغير ذلك غير أن إنشاء الخلق لهذه الأمور حادث وفي حق الله تعالى قديم فإن قلت كيف يتصور الإنشاء القديم وليس في الأزل من يطلب منه شيء ولأنك قررت في الفرق بين الإنشاء والخبر أن الإنشاء لا بد وأن يكون طارئا على الخبر ووصف الطروء يأبى الأزلية
قلت الجواب عن الأول أن الله تعالى يوجب في الأزل على زيد المعين على تقدير وجوده مجتمع الشرائط مزال الموانع وذلك غير ممتنع كما يجد أحدنا في نفسه طلب تحصيل العلم والفضائل من ولدان رزقه وهو الآن لا ولد له فيتقدم منا الطلب على وجود المطلوب وتقدم الطلب على المطلوب منه لا غرو فيه وعن الثاني أن ذلك الفرق إنما هو بين الإنشاء والخبر اللغويين باعتبار الوضع اللغوي أما في الكلام النفساني فلا ترتيب بينهما بل هما نوعان لمطلق الكلام النفسي فإنه واحد ويختلف باختلاف متعلقاته فإن تعلق بأحد النقيضين الوجود أو العدم على وجه التبع فهو الخبر وإن تعلق بأحدهما على وجه الترجيح فإن كان في طرف الوجود فهو الإيجاب أو العدم فهو التحريم أو تعلق بالتسوية بينهما فهو الإباحة ولا ترتيب بين هذه الأنواع بل بينها وبين أصل الكلام رتبة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فعلى الثاني تثبت الواسطة ويكون في الإخبار ما ليس بصدق ولا كذب ويبطل حينئذ حد الخبر أو رسمه بما مر من أنه القول الذي يلزمه الصدق أو الكذب لأنه غير جامع لعدم شموله الواسطة فيرسم بنحو القول الذي يقصد قائله تعريف المخاطب بأمر ما وإن كان فيه حد الشيء بنفسه لأن التعريف هو الإخبار نظرا لكون هذه الرسوم تقريبا لا تحقيقا إذ التحقيق أن كلا من الإنشاء والخبر معروف لا يحتاج لتعريف وعلى الأول لا تثبت الواسطة ويكون حد الخبر أو رسمه بما مر جامعا مانعا نعم قد يقال بثبوت الواسطة على الأول إذا قال كل ما قلته في هذا البيت كذب ولم يقل شيئا في هذا البيت قبل هذا القول ثم قال كل ما قلته في هذا البيت صدق وذلك أن الأول يقتضي أنه إذا قال كل ما قلته في هذا البيت صدق يكون خبره ذلك كاذبا إذ الفرض أنه لم يقل في ذلك البيت شيئا ويلزم ذلك أن إخباره عما قاله في البيت بأنه صدق وبأنه كذب إخبار كذب مع أن الصدق والكذب خبران وقد أخبر بهما عن مخبر واحد فلا بد أن يصدق أحد خبريه ويكذب الآخر وإلا أدى ذلك إلى اجتماع الضدين
ولا يتأتى الجواب بأن إجماعهما هنا لم يكن في ثبوت حتى يمتنع بل في نفي والاجتماع في النفي غير ممتنع إلا بإثبات الواسطة ضرورة أن الضدين المنحصرين كالنقيضين لا يصح اجتماعهما في ثبوت ولا انتفاء
ا هـكلام ابن الشاط فتأمله وما تقدم من الاكتفاء في حقيقة الكذب بعدم المطابقة للمخبر عنه في كلا القولين وإن لم يقصد إلى عدم مطابقته هو مذهب الجمهور وذهب الجاحظ وغيره إلى أن حقيقة الكذب يشترط فيها القصد إليه وعدم