فإن قلت ما ذكرته من الحق متعين اتباعه فما سبب اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في هذه الألفاظ ومن بعدهم من العلماء وكيف ساغ الخلاف مع وضوح هذا المدرك وقلت سبب اختلافهم رضي الله عنهم اختلافهم في تحقيق وقوع النقل العرفي هل وجد فيتبع أو لم يوجد فيتبع موجب اللغة وإذا وجد النقل فهل وجد في أصل الطلاق فقط أو فيه مع البينونة أو مع العدد كما تقدم تقريره وإذا لم يوجد نقل عرفي وبقي موجب اللغة فهل يلاحظ نصوص اقتضت الكفارة في مثل هذا أم لا أو القياس على بعض الأحكام فيكون المدرك هو القياس لا النص فهذا هو سبب اختلافهم رضي الله عنهم مع اتفاقهم على هذه المدارك المذكورة غير أنه لم يتضح وجودها عند بعضهم واتضح عند البعض الآخر
وأما لو وقع الاتفاق على وجودها وقع الاتفاق على الحكم وارتفع الخلاف فلا تنافي بين صحة هذه المدارك وبين اختلافهم في وجودها وترتب الحكم عليها فإن قلت فلعل مدرك مالك نص أو قياس فتستمر فتاويه في بعض الأعصار والأمصار ولا يلزم تغييرها بتغير العوائد فإن ذلك إنما يلزم فيما مدركه العوائد أما ما هو بالنصوص أو الأقيسة فيتأبد فيكون المفتي بموجبات المنقولات في الكتب مصيبا لا مخطئا ولا يجتمع بمالك حتى يسأله عما في نفسه ومع الاحتمال لا تتعين التخطئة
ويجب اتباع موجب المنقولات عن الأئمة من غير اعتراض لأنا مقلدون لهم رضي الله عنهم لا معترضون عليهم ومتى وجدنا فتاويهم وجهلنا مدركها نقلناها كما وجدناها لمن يسألنا عن المذهب فإنا مقلدون لا مجتهدون
قلت الجواب عن هذا السؤال من وجوه الأول الاستقراء فإنا لسنا جاهلين باللغة إلى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يحتاج إلى النية إجماعا وهو يحتاج إلى النية إجماعا وفي احتياجه إلى النية قولان وظاهره التناقض لكنهم يريدون بالأول قصد استعمال اللفظ في موضعه فإن ذلك لا يحتاج إليه إلا في الكناية دون التصريح ويريدون بالثاني القصد للنطق بصيغة التصريح احترازا عن النائم ومن يسبقه لسانه
ويريدون بالثالث الكلام النفساني وكما وقع الخلاف في انعقاد الطلاق بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ كذلك وقع الخلاف في اليمين ومن هنا يظهر أن ما في الجلاب وغيره من قياس لزوم الطلاق بكلام النفس عن الإيمان والكفر فإنه يكفي فيهما كلام النفس فاسد من وجوه أحدها أن الطلاق إنشاء وهما لا يقعان إلا بالإخبار والاعتقاد
وثانيها أن الاعتقاد من باب العلوم والظنون لا من باب الكلام والبابان مختلفان فلا يقاس أحدهما على الآخر
وثالثها أنه على الصحيح من أن الإيمان لا يكفي فيه مجرد الاعتقاد بل لا بد معه من النطق باللسان مع الإمكان على مشهور مذهب العلماء كما حكاه القاضي عياض في الشفاء وغيره كان اللازم أن يقال في القياس على فرض تسليم أن البابين واحد يجب أن يفتقر الطلاق إلى اللفظ قياسا على الإيمان بالله تعالى
قال المسألة السادسة في بيان الفرق بين الصيغ التي يقع بها الإنشاء الواقع اليوم في العادة إن الشهادة تصح بالمضارع إلى آخر المسألة قلت ما قاله في هذه المسألة من اعتبار معينات الألفاظ مبني على مذهب من يشترطها كما قال فيصح تنقل العادات فيها بحسب العرف الحادث كما ذكر والله أعلم