ترتب الحكم كما إذا قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة ويظهر عدم حملها ومع ذلك نقيم الحد ونأخذ المال المسروق من السارق ونجزم بعدم ضياع المال ومع ذلك نقيم حد السرقة
وأما المظنة فيها بعدم المظنون فالغالب في في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة وذلك فيمن أكره على الكفر أو العقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق وغير ذلك فإن تلك المظان يسقط اعتبارها بالإكراه ولا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه أن يترتب عليه عدم الإكراه فهذا فرق آخر بين المظنة والحكمة من جهة أن القطع بعدم الحكمة لا يقدح والقطع بعدم مظنون المظنة يقدح وينبغي أن يتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فهي وإن انبنى عليها بيان هذا الفرق فهي يحتاج إليها الفقهاء رحمهم الله كثيرا في موارد الفقه والترجيح والتعليل إذا تقررت هذه القاعدة
فنقول إنما اعتبرت البقاع في الجمعات وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها لأنها مظنة أذانها وسماعه من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع لقوله صلى الله عليه وسلم الجمعة على من سمع النداء فجعل مظنة السماع مقام السماع ولذلك جعلت البقاع التي في مسافة القصر معتبرة في قصر الصلوات لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص
وأما أهلة شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها فلا حاجة فيها إلى مظنة من جهة الزمان بسبب أن القطع بحصولها موجود من جهة الرؤية أو إكمال العدة فيحصل القطع بالمعنى المقصود فلا حاجة إلى مظنة من جهة أن الزمان يقوم مقامه فإن المظنة إنما تعتبر عند عدم الانضباط أما معه فلا فإذا ظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
موجب للتحريم وحكمته أنه يصير جزء المرأة الذي هو اللبن جزء الصبي الرضيع فناسب أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع نظير إيجاب صيرورة مني المرأة وطمثها جزء الصبي للتحريم بالنسب
فلذا قال صلى الله عليه وسلم الرضاع لحمة كلحمة النسب فالجزئية في الرتبة الأولى وهي الحكمة ووصف الرضاع في الرتبة الثانية لأنه فرعها ومنها أن الزنا وصف كذلك موجب للحد واختلاط الأنساب حكمته الموجبة لكونه كذلك فالاختلاط في الرتبة الأولى ووصف الزنا الرتبة الثانية ومنها أن السرقة وصف كذلك موجب للقطع وضياع المال حكمته الموجبة لكونه كذلك فضياع المال في الرتبة الأولى ووصف السرقة في الرتبة الثانية فوصف كل من الرضاع والزنا والسرقة لما كان ظاهرا منضبطا لم يحتج لقيام مظنته مقامه فلم يحتج للرتبة الثالثة ولا يلزم من جواز التعليل بالحكمة أن يترتب الحكم على كل من تحققت فيه تلك الحكمة وإلا لحرمت المرأة على صبي أكل منها قطعة لحم لتحقق صيرورة جزئها جزءا منه ولوجب حد الزنا على من يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا
ويأتي بهم كبارا بحيث لا يعرفون بعد ذلك بسبب أنه أوجب اختلاط الأنساب ولوجب حد السرقة على من ضيع المال بالغصب والعدوان ولم يقل بذلك كله أحد ويلزم ذلك جواز التعليل بالمظنة فلذا قال الجمهور بالتعليل بها ولم يقولوا بالتعليل بالحكمة فافهم ويفرق بين الحكمة والمظنة من وجه آخر وهو أنه لا يقدح في ترتب الحكم القطع بعدم الحكمة ألا ترى أنا نقيم حد الزنا وحد السرقة وإن قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة ويظهر