قلت لا نسلم أنه لا يظن فمن الناس من ينزل بمجرد الملاقاة ومنهم من ينزل بالفكر ومنهم من ينزل بالنظر فقط فالتقاء الختانين أقوى من ذلك فجعل مظنة ومن ذلك العقل الذي هو مناط التكليف يختلف في الناس بسبب اعتدال المزاج وانحرافه فرب صبي لاعتدال مزاجه أعقل من رجل بالغ لانحراف مزاجه وذلك يختلف في الرجال والصبيان جدا فجعل البلوغ مظنته لأن البلوغ منضبط وهو غير منضبط هذا فيما لا ينضبط لاختلاف رتبه في مقاديره
أما ما ينضبط في مقاديره لكنه خفي لا يطلع عليه فذلك كالرضا في انتقال الأملاك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه والرضا أمر خفي فجعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة مقامه لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد حتى لو اعترف بأنه رضي بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه انتقال الملك وكذلك لو حصلت مشقة السفر بدون مسافة القصر لم ترتب عليها رخص المشقة من القصر والإفطار فإذا أقام الشرع مظنة الوصف مقامه أعرض عن اعتباره في نفسه نعم لا بد أن يكون متوقعا مع المظنة فلو قطعنا بعدمه عند المظنة فالقاعدة أنه لا يترتب على المظنة حكم كما لو قطعنا بعدم الرضا مع الإكراه على صدور الصيغة أو الفعل غير أن هذا المعنى مع أنه الأصل خولف في التقاء الختانين فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل وخولف أيضا في قولهم في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه ونحن مع ذلك نقيم الحد في الشرب على من نقطع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منهما وصفا غير منضبط أنيط الحكم بمظنته فاعتبرت في الجمعات البقاع وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها لأنه من تلك المسافة يظن سماع أذانها إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع واعتبرت في ترخيص القصر والفطر البقاع التي على أربعة برد لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص وبالجملة فالسماع لعدم انضباطه جعلت مظنته من البقاع مقامه والمشقة لعدم انضباطها جعلت مظنتها من البقاع مقامها وأوقات العبادات لما كانت منضبطة لم تجعل مظانها مقامها فالبقاع اعتبرت من حيث إنها سبب غير منضبط والأوقات اعتبرت من حيث إنها سبب منضبط فلم تعتبر مظانها فظهر الفرق بين قاعدتي البقاع والأزمان وصل مبنى هذا الفرق وسره قاعدة أن الوصف المعرف للحكم إن كان وصفا ظاهرا منضبطا لم يعدل عنه إلى غيره كالسكر في تحريم الخمر والقوت في الربا وإن كان وصفا خفيا أو غير منضبط أقيمت مظنته مقامه أما الخفي الذي لا يطلع عليه فكالرضا في انتقال الأملاك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فإن الرضا لما كان أمرا خفيا جعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة مقامه لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد عنها حتى لو اعترف بأنه رضي بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه انتقال الملك
وأما غير المنضبط لاختلاف مقاديره في رتبه فكمشقة السفر في ترخيص القصر والإفطار فإنها لما كانت سببا لذلك الترخيص وهي غير منضبطة المقادير إذ ليس