لدفع ضرر التلف وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر أما إذا أمكن تحصيل الواجب أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات لا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم ولذلك لا يترك الغسل بالماء ولا القيام في الصلاة ولا السجود لدفع الضرر والألم والمرض إلا لتعينه طريقا لدفع ذلك الضرر وهذا كله قياس مطرد وقد خولف هذا القياس بالجمع المتقدم ذكره وترك الواجب وفعل المندوب في دفع الضرر وكذلك الجمع بعرفة ترك فيه واجبان أحدهما تأخير الصلاة لوقتها وهي العصر فتقدم وتصلى مع الظهر مع إمكان الجمع في تحصيل مصلحة الوقت ودفع الضرر وثانيهما ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة ويصلى الظهر أربعا فترك الواجب أيضا لا لدفع الضرر لأنه يندفع بالجمع بين العصر والجمعة كما يندفع بالجمع بين الظهر والعصر ولذلك لما حج هارون الرشيد ومعه أبو يوسف واجتمعا بمالك في المدينة على
هامش أنوار البروق
إمامنا الصوم والفطر جائز ومتى كان ترك الركعتين أيضا طريقا متعينا والإتمام سائغ بل ضرر السفر جائز الدفع بذلك وإذا كان الدفع بذلك جائزا فالمكلف مخير في إيقاع الصوم في حال السفر وتأخيره إلى وقت آخر مع اختيار الصوم وكذلك هو مخير في القصر والإتمام مع اختيار القصر فإذا أفطر لم يترك واجبا وإذا قصر كذلك ومن زعم أن المسافر إذا أفطر ترك واجبا لزمه إنكار الواجب الموسع ومن زعم أن المسافر إذا قصر ترك واجبا لزمه إنكار الواجب المخير
قال وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر كأكل الميتة لدفع ضرر التلف وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر قلت إذا أكل المضطر الميتة أو شرب الغاص الخمر فلم يفعل واحد منهما محرما بل فعل واجبا وما هذا الكلام كله إلا كلام من ذهب وهمه إلى أن الحكم الشرعي وصف حقيقي فالتحريم لا يفارق الميتة والخمر بحال وذلك وهم باطل وغلط واضح لا شك فيه
هامش إدرار الشروق
الصلاتين للمسافر لضرورة السفر لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقة موافقون على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن التحرز منه من حيث الجملة بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمر لازم للعبد لا خروج له عنها ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها
وثانيها ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد إلا أن مالكا قال له إن ذلك خلاف السنة فقال له أبو يوسف من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ركعتين قبلهما خطبة
وهذه هي صلاة الجمعة فقال له مالك جهر فيهما أو أسر فسكت أبو يوسف وظهرت الحجة لمالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين بسبب الإسرار لأن الجمعة جهرية فلما صلى عليه السلام ركعتين سرا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة