الخمر لا تعصر بل صار هذا التركيب موضعا لعصر العنب ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بمضاف محذوف تقديره فلان يعصر عنب الخمر لكن أهل العرف لا يقصدون هذا المضاف بل يعبرون بهذا المركب عن عصر العنب كما يعبرون بتحريم الميتة عن تحريم أكلها فهذا مجاز في التركيب بالنسبة إلى اللغة حقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص
ومن هذا الباب قول أهل العرف قتل فلان قتيلا وطحن دقيقا وهذا كلام صحيح في العرف وفي اللغة لا يصح لأن القتيل لا يقتل وإنما يقتل الحي والدقيق لا يطحن وإنما يطحن القمح فعلى رأي أهل اللغة يصح بمضاف محذوف تقديره طحن قمح دقيق كما قررناه في عنب خمر وقتل جسد قتيل ويريدون بالجسد الجسد الحي وأما أهل العرف فلا يعرجون على هذه المضافات ولا تخطر ببالهم بل صار هذا اللفظ المركب موضوعا عندهم لقتل الحي وطحن القمح وعلى هذا المنوال فاعتبر الحقائق العرفية في المفردات والمركبات واعتبر اللفظ هل انتقل في العرف أم لا مفردا أو مركبا وبذلك يعرف المجاز في التركيب والإفراد فكل لفظ مفرد انتقل في العرف لغير مسماه وصار يفهم منه غير مسماه بغير قرينة كالدابة بالنسبة إلى الحمار بإقليم مصر فهو مجاز مفرد ومنقول عرفي
هامش أنوار البروق
قال وأنا أوضح هذا الفرق بينهما بذكر أربع مسائل المسألة الأولى إذا فرضنا ملكا أعجميا يتكلم بالعجمية وهو يعرف اللغة العربية غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبا ولا يأكل خبزا وكان حلفه بهذه الألفاظ العربية التي لم تجر عادته باستعمالها وعادته في غذائه لا يأكل إلا خبز
هامش إدرار الشروق
ما فيه مما بين في محله
ومنها وضع العرف نحو القتيل مع قتل في قولهم قتل فلان قتيلا لقتل الحي ونحو الدقيق مع طحن في قولهم طحن فلان دقيقا لطحن القمح فلا يقدرون مضافا ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بتقدير مضاف أي قتل جسد قتيل أو طحن قمح دقيق أو بجعل فعيلا مجازا مرسلا لعلاقة الأول على ما فيه مما بين في محله وأما العرف الفعلي فمعناه أن يوضع اللفظ في اللغة لمعنى ذي أنواع ويكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواعه فقط كالثوب يصدق لغة على ثياب الكتان والقطن والحرير والوبر والشعر وأهل العرف إنما يستعملون من أنواعه المذكورة في لبسهم الثلاثة الأول دون الأخيرين وكالخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر وغير ذلك وأهل العرف إنما يستعملون في أغذيتهم خبز البر دون ما عداه وسر الفرق بين قاعدة العرف القولي يقضى به في تخصيص الألفاظ ببعض ما تصدق عليه لغة وبغير ما تصدق عليه لغة وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به في تخصيص الألفاظ ببعض ما تصدق عليه لغة هو أن العرف القولي لما كان عبارة عن كثرة استعمال أهل العرف العام للفظ في بعض أفراد معناه اللغوي أو في معنى مناسب لمعناه اللغوي حتى يصير الأصل مهجورا كما عرفت كان ناسخا للغة والناسخ يقدم على المنسوخ وأن العرف الفعلي لما كان عبارة عن كثرة استعمال أهل العرف لبعض أنواع مسمى اللفظ اللغوي في عوائدهم دون بقية أنواعه مع بقاء ذلك اللفظ اللغوي مستعملا في مسماه اللغوي من غير تعرض له بنقل منه لغيره لم يكن ناسخا للغة حتى يقدم من حيث كونه ناسخا على المنسوخ وبالجملة فغلبة استعمال لفظ المسمى في غيره من حيث كونه ناسخا يخل بالوضع اللغوي فيؤثر