مع العلم بهذه الأسباب العظيمة الموجبة في مجرى العادة سعة الرزق فلا نسلم أن الله تعالى قدر ضيق الرزق على هذا التقدير كما نقول ما قدر الله من دخول المؤمنين الجنة إلا على تقدير الإيمان أما مع عدمه فلا نسلم أن الله تعالى قدر لهم الجنة وما قدر للكفار النار إلا على تقدير جهلهم بالله تعالى أما على تقدير علمهم به تعالى فلا نسلم أنه قدر لهم النار وعلى هذه الطريقة يتضح لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اطلع على الغيب لذهبت عنه جهالات كثيرة كثر عنده من الخير ما لم يكن عنده الآن وما مسه السوء ولقد نجزم أن المحنة في أحد وقتل حمزة وغيره إنما قدرها الله تعالى بسبب عدم العلم بأمور وعواقبها في ذلك اليوم ولو قدر حصول العلم بعواقب ذلك اليوم لكان الأمر على خلاف ذلك وبالجملة فقد كثرت لك النظائر لتستيقظ لهذه القاعدة وسر القضاء والقدر فيندفع السؤال وهو موضع حسن
فائدة أطلق جماعة من العلماء القول بأن للأم ثلثي البر لقول النبي عليه السلام لما قال له رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك وروي ذلك مرتين وروي ثلاثا فعلى رواية مرتين قالوا يكون لها ثلث البر وعلى رواية ثلاثة يكون لها ثلاثة أرباع البر لأن الأب جاء في المرة الرابعة وهذا يعتقد أنه سهل وليس بالسهل وذلك أن قول السائل أي الناس أحق إنما سأل عن أعلى الرتب فلما أجيب عنها عرفها الرتبة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والأجل وأما نفس الأجل والرزق المقدرين فلا يقبلان الزيادة على أن هذا الجواب أولا ضعيف بسبب أن البركة أيضا من جملة المقدرات فإن كان القدر مانعا من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما وثانيا يلزم منه مفسدتان إحداهما إيهام أن البركة خرجت عن القدر لتصريح المجيب بأن تعلق القدر مانع فحيث لا مانع لا قدر وهذا رديء جدا وثانيتهما اختلال المعنى الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في الحث على صلة الرحم والترغيب فيها إذ عليه تكون الرغبة في صلة الرحم بالنسبة لظاهر اللفظ فإنا إذا قلنا لزيد إن وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة فإنه يجد من الوقوع لذلك ما لا يجده من قولنا إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوما واحدا بل يبارك لك في عمرك فقط وبالجملة فالقاعدة أن الله تعالى قدر الخير والشر في الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدر سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات
فالجهل سبب عظيم في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة مثلا الملك الذي دفع له أعداؤه السم فأكله فمات منه كيدا منهم لما قدر الله تعالى أن يموت به ربطه بسبب جهله بتناوله وقدر ذلك السبب فلو قدر نجاته منه لقدر اطلاعه عليه فيسلم فيكون سبب سلامته علمه به فليس المقدر على تقدير العلم هو عين المقدر على تقدير الجهل بل ضده ألا