ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به ومن هذا الباب الجواب عن سؤال صعب ورد في قوله تعالى ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء فقال بعض الفقهاء هنا سؤال وهو أنه عليه السلام إذا علم الغيب والذي في الغيب هو الذي قدره الله تعالى له من الخير فكيف يستكثر من الخير على تقدير الاطلاع على الغيب بل لو قدر الاطلاع على الغيب لبقي على ما هو فيه من الخير والجواب عنه أن الله تعالى قدر الخير والشر في الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدور سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات فالجهل سبب عظيم في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة فالملك الذي دفع له السم فأكله فمات منه كيدا من أعدائه إنما قدر الله تعالى أن يموت بالسم مع جهله بتناوله أما لو علمه لم يتناوله
وكذلك أن الله تعالى إذا كان قد قدر نجاته منه قدر اطلاعه عليه فيسلم فيكون سبب سلامته علمه به فالمقدر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدر على تقديره العلم بل المقدر على تقدير العلم ضده فالرزق الحقير إنما قدره الله تعالى لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمل الكيمياء وغير ذلك من أسباب الرزق أما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
السعة في الرزق والنسأ في الأجل فليصل رحمه هو أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا بالوضع الشرعي لا بالقضاء العقلي لزيادة النسإ في العمر ولسعة الرزق كما نصب بهذا الوضع الشرعي الإيمان سببا في دخول الجنة والكفر سببا في دخول النار ونصب بالوضع العادي لا بالاقتضاء العقلي الأسباب العادية من الغذاء والتنفس في الهواء والأدوية وجعلها أسبابا في الحياة وإذا جعل الله صلة الرحم سببا لذلك أمكن أن يقال إنها تزيد في العمر وتوسع في الرزق حقيقة كما نقول الإيمان يدخل الجنة والكفر يدخل النار ومتى علم المكلف أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا لذلك بادر إليها رغبة في زيادة العمر وسعة الرزق كما يبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء رغبة في الحياة وللإيمان رغبة في الجنان ويفر من الكفر رهبة من النيران ومن هذا القبيل قولنا الدعاء يزيد في العمر والرزق ويدفع الأمراض ويؤخر الآجال وغير ذلك مما شرع فيه الدعاء فهو من القدر ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به فاندفع ما
قيل إن المقدرات لا تزيد ولا تنقص وقد قدر الله تعالى جميع الممكنات ما وجد منها وما لم يوجد في الأزل فتعلقت إرادته القديمة الأزلية بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على العدم الأصلي أو أراد عدمه بعد وجوده فجميع الجائزات وجودا أو عدما قد نفذت فيها مشيئته سبحانه وتعالى فكيف بقيت الزيادة بعد ذلك بتيسر سبب من الأسباب ولم يحتج إلى الجواب بأن ذلك إنما هو بزيادة البركة فيما قدر في الأزل من الرزق