(ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) ذلك القول الحكيم، والأمر الكريم يذكِّر الله به تذكيرًا يرق معه قلب المؤمن وتخشع نفسه، ويوجل قلبه إذا كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ ذلك لأن الإيمان بالله، والإحساس بعظمته وكبريائه، يمنع الظالم من أن يظلم، ولا يظلم الظالم إلا وهو في غفلة عن الله، ولو أحس بأن الله محاسبه، وأنه يأخذ الظالم بظلمه، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ما استمر في ظلمه، ولا استرسل في غيه، ولكنه يكون حال ظلمه في غفوة عن الإيمان، ونسيان للواحد الديان وهو القاهر فوق كل شيء.
والإيمان باليوم الآخر من شأنه أن يحس معه المؤمن بالحساب والعقاب الذي يرتقبه، ومن شأنه أن يجعل المؤمن يستهين بالدنيا وما فيها، ويعلم أنها ظل زائل، وعرض حائل، وأن الآخرة هي الباقية وإذا كان كذلك قلل من الرغبات، وإذا قلت الرغبات ضعفت الدوافع إلى الظلم، وخمدت نوازع الشر.
(ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ذلكم أيها المؤمنون أجمعون من غير تخصيص طائفة بالخطاب، وهو ما شرعه الله سبحانه من أحكام خاصة بسلطان الأزواج والأولياء، أزكى وأطهر، والزكاة النماء، أما أنه أزكى وأنمى؛ فلأن قيام الأسرة على العدل والمودة والتراحم يؤيد في عدد الأمة فيكثر النسل؛ ويزيد من قوتها؛ لأن الجماعات القوية هي التي تقوم على أسرة قوية، ولا شيء يقوي الأسرة أكثر من المودة والعدل والرحمة؛ وأما أنه أطهر فلأن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة بالحق والعدل وأطلقت حريتها في دائرة المعروف المعقول
ولم تظلم في رغباتها العادلة، أدى ذلك إلى الطهر والعفاف؛ فإن احترام النفس صون وعفاف، وامتهانها نقيض ذلك؛ لأن النفس إذا أكرهت جمحت، وإذا جمحت لم ترتبط برباط من الحكمة والصون والعفاف، بل إنها إذا جمحت عميت، فلا تدرك خيرًا ولا شرًّا. ولقد روى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إن للقلوب شهوات، وإقبالا وإدبارًا، فأتوها من قبل شهواتها وإقبالها، فإن القلب إذا أكره عمى) ولا عفة ولا طهر عند عماية القلوب.