الحال الثانية: أن يصرح بالتحليل في العقد، فيعقد العقد على شرطه، وهذا قال فيه الشافعي: إنه كنكاح المتعة فهو باطل؛ لأنه نكاح مؤقت؛ ومالك وأحمد على أصلهما وهو بطلانه وعدم حلها للأول بمقتضاه؛ والشافعي يوافقهما كما رأينا، وإن كان الأساس مختلفا؛ فالشافعي أبطله لأنه مؤقت كنكاح المتعة، ومالك وأحمد أبطلاه لذلك، ولأن الباعث عليه حرام، وما كان باعثه حراما فهو حرام.
هذه أقوال الأئمة الثلاثة، وقد وافقهم أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، من حيث إنه عقد فاسد لَا يحلها للأول؛ وقال أبو حنيفة وزفر: يصح العقد ويحلها للأول؛ لأن اشتراط إحلالها للأول شرط فاسد، فهو يلغى ولا يكون لازما، ويصح العقد، ويحلها للأول بعد استيفاء شروط الحل.
وقال محمد من أصحاب أبي حنيفة: إن عقد الثاني صحيح مع هذا الشرط؛ لأن الشرط يلغى، ولكن هذا العقد لَا يحلها للأول، أما صحة العقد فلأن الشرط ملغى لَا يلتفت إليه، ولكن لأنه قد اشترط حلها للأول قد استعجل أمرا أخره الله
تعالى، وهو بذلك قد ارتكب محرما، وكان مستعجلا أمرًا قبل أوانه، فلا يصل إلى غايته، كمن قتل مورثه مستعجلا ميراثه فإنه لَا يرث لأنه استعجل أمرا قبل أوانه فعوقب بحرمانه.
هذه خلاصة أقوال الفقهاء في نكاح المحلل، وهو أقبح عقود الزواج، وترى منها أن جميع الفقهاء يرون أنه حرام، وأنه خداع لله سبحانه وتعالى، وأنه تحايل على إبطال أحكام الله، وتفويت لمقاصد الشارع الحكيم، وأن جمهور الفقهاء يرون أنه عقد فاسد لَا تحل به للأول؛ وإذا كان ذلك شأن عقد المحلل فليتق الله الناس في أنفسهم وأخلاقهم ومروءاتهم، وليجنبوا أنفسهم ألفاظ الطلاق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولا يضيقوا على أنفسهم ما أفسح الله لهم؛ وليحفظوا على أنفسهم أعراضهم ومروآتهم فلا يضطروا إلى ذلك العقد الذي هو إثم في إثم؛ وجرم في جرم، وتعريض الحرمات للانتهاك.