ثُمَّ قَالَ: (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: إِذَا تَرَاضَى مُرِيدُو التَّزَوُّجِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، بِأَنْ رَضِيَ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْآخَرِ زَوْجًا . وَقَوْلُهُ: (بَيْنَهُمْ) يُشْعِرُ بِأَنْ لَا نُكْرَ فِي أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إِلَى نَفْسِهَا وَيَتَّفِقُ مَعَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بِهَا وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ عَضَلُهَا ، أَيِ امْتِنَاعُ الْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ التَّرَاضِي فِي الْخِطْبَةِ بِالْمَعْرُوفِ شَرَعًا وَعَادَةً بِأَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ ، وَلَا شَيْءٌ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِالْمَرْأَةِ وَأَهْلِهَا ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْعَضَلَ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ كَأَنْ تُرِيدَ الشَّرِيفَةُ فِي قَوْمِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِرَجُلٍ خَسِيسٍ يَلْحَقُهَا مِنْهُ
الْغَضَاضَةُ ، وَيَمَسُّ مَا لِقَوْمِهَا مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ عَنْهُ بِالْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَيُجِيزُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْعَضْلَ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِذَا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ فَسَادَ الْأَخْلَاقِ الْمُسْقِطِ لِلْكَرَامَةِ ، أَوِ اتِّبَاعَ الْهَوَى وَإِرْضَاءَ الشَّهْوَةِ ، بَلْ كَانَ مَيْلًا إِلَى رَجُلٍ مُسْتَقِيمٍ يُرْجَى مِنْهُ حُسْنُ الْعِشْرَةِ وَصَلَاحُ الْمَعِيشَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِ دَفَعُ مَهْرٍ كَثِيرٍ مَعَ نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ الْأُخْرَى ، فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ الْعَضَلُ بَلْ يَجِبُ تَزْوِيجُهُ .