وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْخَوْفِ مِنْ عَدَمِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُثَارُهُ الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ إِقَامَتِهَا مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ عَدْلِ الْإِسْلَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ ، إِذْ جَعَلَ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ الرَّجُلِ الْمُطَلِّقِ شَيْئًا مَا مِمَّا أَعْطَاهُ امْرَأَتَهُ .
وَيَنْجَلِي هَذَا بِعَرْضِ حَالَاتِ الزَّوْجَيْنِ الثَّلَاثِ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ: فَهُمَا إِنْ أَقَامَا
حُدُودَ اللهِ تَعَالَى بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَأَدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقَّ الْآخَرِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شُذُوذٍ يُتَسَامَحُ فِيهِ عَادَةً فَلَا خَوْفَ وَلَا فِرَاقَ ، وَإِنْ عَرَضَ لَهَا مَا يَمْنَعُ إِقَامَتَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَارِضُ الْمَانِعُ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ بِأَنْ أَبْغَضَ الْمَرْأَةَ أَوْ فُتِنَ بِغَيْرِهَا وَأَحَبَّ فِرَاقَهَا لِغَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهَا أَوْجَبَ ذَلِكَ وَخَافَ أَلَّا يُعَامِلَهَا بِمَا يَجِبُ مِنَ الْمَعْرُوفِ ، وَأَنْ تُقَابِلَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ; لِأَنَّ عُقْدَةَ الزَّوْجِيَّةِ بِيَدِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِمَّا كَانَ أَعْطَاهَا شَيْئًا بِالنَّصِّ ، وَهُوَ (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ) الْآيَةَ ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي أَرَادَ الطَّلَاقَ .