يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يقرؤها عليهم مع كونه أمّيا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم ، وقراءة أمى بغير تعلم آية بينة وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والسنة. وإن في وَإِنْ كانُوا هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها ، أي: كانوا في ضلال لا ترى ضلالا أعظم منه وَآخَرِينَ مجرور عطف على الأميين ، يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده ، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة رضى اللّه عنهم. وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول اللّه ، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل:
هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة ، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في وَيُعَلِّمُهُمُ أي: يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوّله ، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في تمكينه رجلا أمّيا من ذلك الأمر العظيم ، وتأييده عليه ، واختياره إياه من بين كافة البشر ذلِكَ الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي أبناء عصره ، ونبي أبناء العصور الغوابر ، هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إعطاءه وتقتضيه حكمته.
[سورة الجمعة (62) : آية 5]
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)
شبه اليهود - في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها ، وذلك أنّ فيها نعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به - بالحمار حمل أسفارا ، أي كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ، وبئس المثل بِئْسَ مثلا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات اللّه الدالة على صحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم. ومعنى حُمِّلُوا التَّوْراةَ: كلفوا علمها والعمل بها ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ثم لم يعملوا بها ، فكأنهم لم يحملوها. وقرئ: حملوا التوراة ، أي حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل. وقرئ: يحمل الأسفار. فإن قلت: يَحْمِلُ ما محله؟ قلت: النصب على الحال «1» ، أو الجر على الوصف ، لأنّ الحمار كاللئيم في قوله:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّنى «2»
(1) . قال محمود: «إما أن يكون قوله يَحْمِلُ حالا ، كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
قال أحمد: يريد أن المراد فيها الجنس ، فتعريفه وتنكيره سواء.
(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 16 فراجعه إن شئت اه مصححه.