ثم إني أقول الذي يغلب على ظني أن الاستغفار الذي كان منه عليه السلام قبل التبين بالمعنى المشهور لا بمعنى التوفيق للإيمان ، والآيات التي في سورة التوبة وما ورد في سبب نزولها تؤيد ظواهرها ذلك.
والتزم أن امتناع جواز الاستغفار إنما علم بالوحي لا بالعقل لأنه يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر وهو سبحانه الغفور الرحيم ، وأنه عليه السلام لم يكن إذا استغفر عالماً بالوحي امتناعه ، ومعنى الآية والله تعالى أعلم إن لكم الاقتداء بإبراهيم عليه السلام والذين معه في البراءة من الكفرة لكن استغفاره للكافر ليس لكم الاقتداء به فيه ومآله يجب عليكم البراءة ويحرم عليكم الاستغفار وإبداء الرأفة ، فليس لكم الذي اعتبرناه في الاستثناء من باب قوله تعالى:
{مَا كَانَ لِلنَّبِيّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ} [التوبة: 113] الخ ، ودلالة ذلك على المنع ظاهرة فتأمل جميع ما قدمناه ، ووراءه كلام مبني على قول من قال: ليس لله عز وجل قضاء مبرم ، ونقل ذلك عن القطب الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره ، وشيد بعض الأجلة أركانه في رسائلة مستقلة بسط فيها الأدلة على ذلك لكنها لا تخلو عن بحث والله تعالى أعلم ، وقوله سبحانه: {لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْء} من تمام القول المستثنى محله النصب على أنه حال من فاعل {لاَسْتَغْفِرَنَّ} ومورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده فإنه في نفسه من خصال الخير لكونه إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر إلى الله تعالى ، فالكلام من قبيل ما رجع فيه النفي للمقيد دون القيد.
وفي"الكشف"أنه وإن كان في نفسه كلاماً مطابقاً للواقع حسناً أن يجعل أسوة إلا أنه شفع بقوله: {لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} تحقيقاً للوعد كأنه قيل: لأستغفرن لك وما في طاقتي إلا هذا فهو مبذول لا محالة ، وفيه أنه لو ملك أكثر من ذلك لفعل ، وعلى هذا فهو حقيق بالاستثناء ، وقوله عز وجل: