وخرجَ الإمامُ أحمدُ من وجهٍ آخر ، عن عبادةَ ، أنَّهم بايعُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هذه البيعةَ على السمع والطاعةِ - الحديث ، وقال فيه -: وعلى أن ننصرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا قدِمَ علينا يثربَ ، فنمنعهُ مما نمنعُ منه أنفسَنَا.
وهذا يدلُّ على أن هذه البيعة كانتْ قبلَ الهجرةِ ، وذلكَ ليلةَ العقبة.
وخرَّج - أيضًا - هذا المعنى من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، أنَّ هذه البيعة
كانتْ للسبعينَ ، بشعبِ العقبةِ.
وهي البيعةُ الثانيةُ ، وتكونُ سميتْ هذه البيعةُ الثانيةُ:"بيعةَ الحربِ"؛ لأن
فيها البيعةَ على منع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلكَ يقتضِي القتالَ دونَهُ ، فهذا هو المرادُ بالحربِ ، وقد شهدَ عبادةُ البيعتينِ معًا.
ويحتملُ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يبايعُ أصحابَه على بيعةِ النساءِ قبلَ نزولِ آيةِ مبايعتهنَّ ، ثم نزلتْ الآيةُ بموافقةِ ذلكَ.
وفي"المسندِ"، عن أمّ عطيةَ ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما قدمَ المدينةَ جمع النساءَ ،.
فبايعهنَّ على هذهِ الآيةِ ، إلى قولهِ: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْروفٍ) .
وهذا قبلَ نزولِ سورةِ الممتحنةِ ؛ فإنها إنَّما نزلتْ قبلَ الفتح بيسيرٍ.
واللَّهُ أعلمُ بحقيقةِ ذلكَ كلِّه.
وأمَّا ما بايعهم عليه ، فقد اتفقت رواياتُ حديثِ عبادةَ ، من طرقه الثلاثةِ
عنهُ ، أنهم بايعُوه على أن لا يشركُوا باللهِ ، ولا يسرقُوا ، ولا يزنُوا ، ولا
يقتلُوا.
وفي بعضِ الروايات: لا يقتلُوا أولادَهُم ، كما في لفظِ الآيةِ.
وفي بعضِهَا: لا يقتلُوا النفسَ التي حرَّم اللَّهُ.
وهذه روايةُ الصُّنابحي ، عن عبادةَ.
ثم إنَّ منَ الرواةِ من اقتصرَ على هذه الأربع ، ولمْ يزد عليهَا.
ومنهمْ من ذكرَ في روايةِ المبايعةِ على بقيةِ ما ذكرَ في الآيةِ ، كما في روايةِ
البخاريِّ المذكورةِ هاهنا.