عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ, قَالَ: حَبَسَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِيَاضَ بْنَ مُسْلِمٍ, وَكَانَ كَاتِبًا لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَضَرَبَهُ وَأَلْبَسَهُ الْمُسُوحَ, فَلَمَّا ثَقُلَ هِشَامٌ أَرَسْلَ عِيَاضٌ إِلَى الْخُزَّانِ: احْفَظُوا مَا فِي أَيْدِيكُمْ. فَمَاتَ هِشَامٌ وَخَرَجَ عِيَاضٌ, فَخَتَمَ الأَبْوَابَ وَالْخَزَائِنَ وَمَنَعَ أَنْ يُكَفَّنَ هِشَامٌ مِنَ الْخَزَائِنِ وَاسْتَعَارُوا لَهُ قُمْقُمًا فَأَسْخَنُوا فِيهِ الْمَاءَ, فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ فِي هَذَا لَعِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ!
قَالَ الْوَلِيدَ عَنْ عبد الرحمن بن يزيد بن جَابِرٍ, قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَلا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ, فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَتَصَدَّعَ النَّاسُ عَنْ قَبْرِهِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدُ الملك الذي كنت مدني فَأَرْجُوكَ, وَتُوعِدُنِي فَأَخَافُكَ, وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ مُلْكِكَ غير ثوبيك, وَلَيْسَ لَكَ مِنْهُ غَيْرُ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ!
ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى أَهْلِهِ وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَنٌّ, فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهِ فَعَاتَبَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارِهِ بِهَا, فَقَالَ لِلْقَائِلِ: أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ تَصْدُقُنِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا أَتَرْضَاهَا لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا.
قَالَ: فَهَلْ عَزَمْتَ عَلَى انْتِقَالٍ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا؟ قَالَ: مَا أَنْصَحْتُ رَأْيِي فِي ذَلِكَ.
قَالَ: أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ عَلَى حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا. قَالَ: حَالٌ مَا أَقَامَ عَلَيْهَا عَاقِلٌ. ثُمَّ انكفأ إلى مصلاه.
(ورد المهلك قَبْلَنَا أُمَمٌ ... فَلَنَتْبَعَنَّ مَعَاشِرًا وَرَدُوا)
(حَمَلَتْهُمُ جُرْدٌ مُقَرَّبَةٌ ... ثُمَّ انْطَوَوْا بِالْمَوْتِ وَانْجَرَدُوا)
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيِّ, قَالَ: دَخَلَتْ عَلَيَّ أُمِّي فِي يَوْمِ أَضْحَى وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ بَرْزَةٌ فِي أَثْوَابٍ رَثَّةٍ. فَقَالَتْ لِي: أَتَعْرِفُ هَذِهِ؟ قُلْتُ: لا. قَالَتْ: هَذِهِ