قال صاحب الكشاف: وقوله: تُقَلَّبُ بمعنى تتقلب، ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البيضة تدور في القدر إذا غلت، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها، أو طرحها في النار مقلوبة منكوسة.
وخصت الوجوه بالذكر، لأنه الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة.
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، أي: وقال هؤلاء الكافرون - بعد هذا التحسر والتفجع - يا ربنا إنا أطعنا في الدنيا سادَتَنا وَكُبَراءَنا أي: ملوكنا ورؤساءنا وزعماءنا، فجعلونا في ضلال عن الصراط المستقيم، وعن السبيل الحق.
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي: يا ربنا أنزل بهؤلاء السادات والكبراء عذابا مضاعفا، بسبب ضلالهم في أنفسهم، وبسبب إضلالهم لغيرهم.
وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً أي واطردهم من رحمتك، وأبعدهم عن مغفرتك، إبعادا شديدا عظيما، فهم الذين كانوا سببا لنا في هذا العذاب المهين الذي نزل بنا.
وهكذا نرى الآيات الكريمة، تصور لنا أحوال الكافرين في الآخرة هذا التصوير المؤثر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام، وأرشدت إلى ما أرشدت من آداب، وقصت ما قصت من أحداث .. بعد كل ذلك وجهت في أواخرها نداءين إلى المؤمنين، أمرتهم فيهما بتقوى الله - تعالى - وبالاقتداء بالأخيار من عباده، وباجتناب سلوك الأشرار، كما ذكرتهم بثقل الأمانة التي رضوا بحملها، وبحسن عاقبة الصالحين وسوء عاقبة المكذبين، قال - تعالى -:
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 69 إلى 73]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً(69)
والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - في قوله - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ... قومه الذين أرسله الله إليهم.