{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {غَفُورًا رَحِيمًا} ؛ أي: كثير المغفرة والرحمة للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم، أو كان غفورًا للظلوم، رحيمًا على الجهول؛ لأن الله سبحانه وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعًا إلا الظلم العظيم الذي هو الشرك.
وإجمال الآية: أي إنا لم نخلق السماوات والأرض على عظم أجرامها، وقوة أسرها، مستعدةً لحمل التكاليف بتلقي الأوامر والنواهي، والتبصر في شؤون الدين والدنيا, ولكن خلقنا الإنسان على ضعف منَّته، وصغر جرمه مستعدًا لتلقيها، والقيام بأعبائها، وهو مع ذلك قد غلبت عليه الانفعالات النفسية الداعية إلى الغضب، فكان ظلومًا لغيره، وركِّب فيه حب الشهوات، والميل إلى عدم التدبر في عواقب الأمور، ومن ثَمَّ كلفناه بتلك التكاليف لتكسر سورة تلك القوى، وتخفف من سلطانها عليه، ونكبت من جماحها حتى لا توقعه في مواقع الردى. ثم بين عاقبة تلك التكاليف، فقال: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ ... } الخ. أي: وكان عاقبة حمل الإنسان لهذه الأمانة أن يعذب من خانها وأبى الطاعة.
والانقياد لها من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، ويقبل توبة المؤمنين والمؤمنات إذا رجعوا إليه وأنابوا، لتلافيهم ما فرط منهم من الجهل، وعدم التبصر في العواقب، وتداركهم ذلك بالتوبة.
ثم علل قبوله لتوبتهم فقال: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ؛ أي: وكان ستارًا لذنوب عباده، كثير الرحمة بهم، ومن ثَمَّ قبل توبة من أناب إليه، ورجع إلى حظيرة قدسه، وأخلص له العمل، وتلافى ما فرِّط منه من الزلات، وأثابه على طاعته بالفوز العظيم. نسألك اللهم أن تتوب علينا، وتغفر لنا ما فرط منا من الزلات، وتثيبنا بالفوز العظيم في الجنات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 23/ 139 - 156} ...