قال بعض أهل العلم: ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد من العرض على السماوات والأرض والجبال: هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها. والقول الأول أصح. وهو قول أكثر العلماء.
وقوله: {إِنَّا} هذه النون نون العظمة والكبرياء عند العلماء، فإن الملوك والعظماء يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع، ونون الأسماء والصفات عند العرفاء. فإنها متعددة ومتكثرة {عَرَضْنَا} ؛ أي: أظهرنا وأبرزنا {الْأَمَانَةَ} ؛ أي: التكاليف الشرعية {عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} على أنَّ من أداها فله الثواب، ومن لم يؤدِّها .. فله العقاب. وكان هذا العرض عرض تخيير، لا عرض إلزام {فَأَبَيْنَ} ؛ أي: فامتنعت السماوات والأرض والجبال عن قبولها على هذا الشرط المذكور. والإباء: شدة الامتناع، فكل إباء، امتناع، وليس كل امتناع إباءً.
وأتى بضمير هذه كضمير الإناث؛ لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإن كان مذكرًا، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أن قد غلَّب المؤنث، وهو السماوات على المذكر، وهو الجبال.
واعلم: أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: {أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} ؛ لأن السجود كان هناك فرضًا، وهاهنا الأمانة كانت عرضًا، والإباء هناك كان استكبارًا، وهاهنا كان استصغارًا لقوله تعالى: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ؛ أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها. اهـ"فتوحات".
{وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ؛ أي: وخفن من الأمانة وحملها، وقلن: يا رب، نحن مسخرات بأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، ولم يكن هذا القول منهن من جهة المعصية والمخالفة، بل من جهة الخوف والخشية من أن لا يؤدين حقوقها، ويقعن في العذاب، ولو كان لهن استعداد ومعرفة بسعة الرحمة، واعتماد على الله تعالى لما أبين.
فَإِنْ قُلْتَ: ما ذكر من السماوات وغيرها جمادات، والجمادات لا إدراك لها، فما معنى عرض الأمانة عليها؟
قلت: للعلماء فيه قولان: