وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة ، والظاهر عرض الإمانة على هذه المخلوقات العظام ، وهي الأوامر والنواهي ، فتثاب إن أحسنت ، وتعاقب إن أساءت ، فأبت وأشفقت ، ويكون ذلك بإدراك خلقه الله فيها ، وهذا غير مستحيل ، إذ قد سبح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام ، وحن الجذع إليه ، وكلمته الذراع ، فيكون هذا العرض والإباء حقيقة.
قال ابن عباس: أعطيت الجمادات فهماً وتمييزاً ، فخيرت في الحمل ، وذكر الجبال ، مع أنها مع الأرض ، لزيادة قوتها وصلابتها ، تعظيماً للأمر.
وقال ابن الأنباري: عرضت بمسمع من آدم ، عليه الصلاة والسلام ، وأسمع من الجمادات الإباء ليتحقق العرض عليه ، فيتجاسر على الحمل غيره ، ويظهر فضله على الخلائق ، حرصاً على العبودية ، وتشريفاً على البرية بعلو الهمة.
وقيل: هو مجاز ، فقيل: من مجاز الحذف ، أي على من فيها من الملائكة ، وقيل: من باب التمثيل.
قال الزمخشري: إن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به ، فأبى محمله والاستقلال به ، وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته.
{إنه كان ظلوماً جهولاً} ، حيث حمل الأمانة ، ثم لم يف بها.
ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء به القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم.
من ذلك قول العرب: لو قيل للشحم أين تذهب لقيل: أسوي العوج.
وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات! وتصور مقالة الشحم محال ، ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبحه ، كما أن العجف مما يقبح حسنه ؛ فصوّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع ، وهي به آنس ، وله أقبل ، وعلى حقيقته أوقف ؛ وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها.