{يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ}
بما هو أهله من التهليل والتحميد والتكبير ونحوها.
والذكر إحضار الشيء في القلب أو في القول وهو ذكر عن نسيان وهو حال العامة أو إذامة الحضور والحفظ وهو حال الخاصة إذ ليس لهم نسيان أصلاً وهم عند مذكورهم مطلقاً {ذِكْرًا كَثِيرًا} في جميع الأوقات ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاء وفي عموم الأمكنة براً وبحراً سهلاً وجبلاً وفي كل الأحوال حضراً وسفراً صحة وسقماً سراً وعلانية قياماً وقعوداً وعلى الجنوب وفي الطاعة بالإخلاص وسؤال القبول والتوفيق وفي المعصية بالامتناع منها وبالتوبة والاستغفار وفي النعمة بالشكر وفي الشدة بالصبر فإنه ليس للذكر حد معلوم كسائر الفرائض ولا لتركه عذر مقبول إلا أن يكون المرء مغلوباً على عقله.
وأحوال الذاكرين متفاوتة بتفاوت أذكارهم.
فذكر بعضهم بمجرد اللسان بدون فكر مذكوره ومطالعه آثاره بعقله وبدون حضور مذكوره ومكاشفة أطواره بقلبه وبدون أنس مذكوره ومشاهدة أنواره بروحه وبدون فنائه في مذكوره ومعاينة أسراره بسره.
وهذا مردود مطلقاً.
وذكر بعضهم باللسان والعقل فقد يذكر بلسانه ويتفكر مذكوره ويطالع آثاره بعقله لكن ليس له الحضور والإنس والفناء المذكور وهو ذكر الأبرار مقبول بالنسبة إلى الأول.
وذكر بعضهم باللسان والعقل والقلب فقط بدون الإنس والفناء المذكور وهو ذكر أهل البداية من المقربين مقبول بالنسبة إلى ذكر الأبرار وما تحته.
وذكر بعضهم باللسان والعقل والقلب والروح والسر جميعاً وهو ذكر أرباب النهاية من المقربين من الأنبياء والمرسلين والأولياء الأكملين وهو مقبول مطلقاً وللإرشاد إلى هذه الترقيات قال عليه السلام:"إن هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد"قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال:"تلاوة كتاب الله وكثرة ذكره"فبكثرة الذكر يترقى السالك من مرتبة اللسان إلى ما فوقها من المراتب العالية ويصقل مرآة القلب من ظلماتها وأكدارها.