فنحن من جهة ، نرى أن زينب كانت بنت عمة النبي صلّى الله عليه وسلم ، ربيت تحت نظره وشملها من عنايته ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر ، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة ، مع إبائها وإباء أخيها ، وعدّ إباءها هذا عصياناً ، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن ، فكأنه أرغمها على زواجه ، لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك ، ولو كان للجمال سلطان على قلبه صلّى الله عليه وسلم ، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ، ونضرة جدته ، وقد كان يراها ولم يكن بينه وبينها حجاب ، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة ، ولكنه لم يرغبها لنفسه ، ورغبها لمولاه, فكيف يمتد نظره إليها ، ويصيب قلبه سهم حبها ، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية ؟ لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر ، أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب ، إلى أن تبلغ حد العشق ، خصوصاً إذا كان عشيره منذ صغره . بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض ، متى تعوّد بعضهم النظر إلى بعض ، من بداية السن إلى أن يبلغ حدّاً منه يجول فيه نظر الشهوة . فكيف يظن أو يتوهم أن النبي الذي يقول الله له: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه: 131] ، يخالف مألوف العادة ، ثم يخالف أمر الله في ذلك ؟ أم كيف بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة ، يغلب عليه سلطانه شهوة في بنت عمته ، بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده ؟ .
ومن جهة أخرى ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلم ، وهو الرؤوف الرحيم ، لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد ، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة ، وتفسد به شؤون المعيشة . فما كان له - وهو سيد المصلحين - أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه ، مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين .