فجذَبه عمّه وقال: يا زيد ، اخترت العبوديّة على أبيك وعمك! فقال: أيْ واللَّهِ العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أن أكون عندكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اشهدوا أني وارث وموروث"
فلم يزل يقال: زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: {ادعوهم لآبَآئِهِمْ} ونزل {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} .
السادسة: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْلي رضي الله عنه: كان يقال زيد بن محمد حتى نزل: {ادعوهم لآبَآئِهِمْ} فقال: أنا زيد بن حارثة.
وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد.
فلما نُزِع عنه هذا الشرف وهذا الفخر ، وعلِم الله وحشته من ذلك شّرفه بخِصِّيصة لم يكن يَخُصّ بها أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي أنه سماه في القرآن ؛ فقال تعالى: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} يعني من زينب.
ومَن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآناً يُتْلَى في المحاريب ، نوّه به غاية التنويه ؛ فكان في هذا تأنيس له وعِوض من الفخر بأبوّة محمد صلى الله عليه وسلم له.
ألا ترى إلى قول أُبَيّ بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا"فبكى وقال: أوَذُكِرتُ هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله تعالى ذكره ؛ فكيف بمن صار اسمه قرآناً يُتلى مخلَّداً لا يبيد ، يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن ، وأهل الجنة كذلك أبداً ، لا يزال على ألسنة المؤمنين ، كما لم يزل مذكوراً على الخصوص عند رب العالمين ؛ إذ القرآن كلام الله القديم ، وهو باق لا يبيد ؛ فاسم زَيْد هذا في الصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة ، تذكره في التلاوة السّفَرةُ الكرام البَرَرَة.
وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبيّ من الأنبياء ، ولزيد بن حارثة تعويضاً من الله تعالى له مما نُزع عنه.