وَالْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ مُخَاطَبٌ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِسَابِقِ قَضَائِهِ ، وَنَافِذِ حُكْمِهِ ، أَنْ يَقَعَ إصْلَاحٌ ، وَلَكِنْ جَرَتْ مُطَاعَنَاتٌ وَجِرَاحَاتٌ ، حَتَّى كَادَ يَفْنَى الْفَرِيقَانِ ، فَعَمَدَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَمَلِ فَعَرْقَبَهُ ، فَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ لِجَنْبِهِ أَدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى الْبَصْرَةِ ، وَخَرَجَتْ فِي
ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بِهَا ، حَتَّى أَوْصَلُوهَا إلَى الْمَدِينَةِ بَرَّةً تَقِيَّةً مُجْتَهِدَةً ، مُصِيبَةً ثَابِتَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ ، مَأْجُورَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ وَفَعَلَتْ ؛ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ مُصِيبٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَصْوِيبَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُرُوبِ ، وَحَمْلَ أَفْعَالِهِمْ عَلَى أَجْمَلِ تَأْوِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّبَرُّجِ.
وَقَوْلُهُ: {الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ: أَفَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} ؟ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً غَيْرَ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ هَلْ سَمِعْت بِأُولَى إلَّا لَهَا آخِرَةٌ ، قَالَ: فَأْتِنَا بِمَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} جَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.